إضاءات مشرقة من التاريخ للوالد عبدالله عيضة الرزامي

إضاءات مشرقة من التاريخ
مقدمة:
سمعت الوالد عبد الله عيضه الرزامي حفظه الله يقول: ــ

للتعرف على شخصية الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن نعود إلى القرآن الكريم ليتعمق في نفوسنا ويترسخ في مشاعرنا عظمة هذا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من وَصْفِ الله له بتلك الصفات العظيمة والمزايا الفريدة التي تجعل المؤمن يسبح الله ويقدسه إجلالاً وتعظيماً لحسن عطائه لعبده ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن نعود إلى شخصية النبي الأعظم نفسه من خلال مسيرته العملية في هذه الحياة التي هي حقاً تطبيقٌ لمنهج الله القرآن الكريم كما قال الله { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } وأن نعود إلى وَصْفِ أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لأخيه الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خلال أقواله المروية عنه في رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله في نهج البلاغة وغيرها وإلى وصف الأئمة الهادين من أهل البيت عليهم السلام وخير مثال ما قدمه السيد / حسين بدر الدين الحوثي عليه السلام من مواقف عملية وثقافة قرآنية تشدك إلى شخصية الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما يقدمه أخوه السيد القائد / عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله من محاضرات تتحدث عن شخصية الرسول صلوات الله عليه وعلى آله ومن توجيهات حكيمة تنبئ عن إجلال وتقديس لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله منقطع النظير يدل على ذلك دعوته المستمرة لإقامة المولد النبوي الشريف والعمل ليل نهار على توسيعه حتى حظي اليمن بفضيلة السبق وتميز من بين شعوب العالم نتيجة توجيهاته الحكيمة وحبه العظيم لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم.



نشأة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله:

نشأ رســول الله صلى الله عليه وآله وسـلم في أسرة هي أطهر الأسُـر والتي كانت لاتزال على دين الله الذي جـاء به إبراهيم الخليل وابنه الذبيح إسماعيل صلوات الله عليهم وُلِدَ رسول الله محمــد بن عبـدالله في مـكة وأمـه آمنة بنت وهب الطاهرة الز كية وأبوه عبد الله الفارس الشجــاع وأعمامه سادات قريش جده عبدالمطلب بن هاشم سيد البطحـــاء وحامي البيت وعمه أبو طالب كبير قريش المعروف بمواقفه في نصرة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله ورسالته وحكيمها وُلِدَ رسـول الله صلوات الله عليه وآله من هذه الأسرة التي كـان يُشار لها بالبنـان بين العرب قاطبة في الثاني عشر من ربيع الأول وحدث مـا حدث تلك الليلة من استنفـار في السماوات من الشهب والنجوم والنور وما حدث في الأرض من أشياء جعلَت اليهود وطواغيت ذلك العصر يتساءلون ويبحثون عن السبب عن ماذا حدث ولــعلمهم بأنه وقت لظهور نبي آخر الزمـان المُبَشَّر به من الأنبياء والموجود في كتبهم ، والذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما حكى الله، وكـان هذا الأمر محط اهتمام جدّه عبدالمطلب والذي كان في المقام الأول أول إنسان اهتم بأمن الرسول وهو صغير وأوصى بذلك بنيه "عمومة النبي صلوات الله عليه وعلى آله" والذين كـان على رأسهم أبو طالب عليهم السـلام حتى أنه مـا إن وُلِدَ الرسـول إلا وقد انتشر اليهـود في أرجاء مـكة وأخذوا يسألون كل من وجـدوه عن المولود الذي ولد بمكة ونادوا ظهر نجم مـحمد فقام جـده عبدالمطلب ولحبه ولشدة حـرصه على رسول الله صلوات الله عليه وآله بإرسـاله إلى بادية بني ســعد لإبعـاده عن جواسيس اليهود والرومـان آنذاك- وليس صحيحاً أنه إنمـا أرسله لينشأ في البادية من أجل إرضاعه فقط وليتقوى بسبب جـو البادية ولـكن للحفاظ عليه وعلى حياته ولمعرفته بمقام حفيده وأن له شأناً عظيماً ولما لـه من دور في المستقبل وقد نجح في إبعاده عنهم لفترة من الزمن وعندما دخـل جواسيس اليهود بادية بني سعد بحجة معالجة الأطفال من الأمراض رأت حليمة إصرار اليهـود على متابعة محمد وأسئلتهم عنه استشعرت الخوف والقلـق على رسـول الله وقامت بإخراجه من البادية ليـلاً هي وزوجها عائدة به إلى جده عبدالمطلب الذي أخرجه بدوره إلى مكان خارج مكة والذي كان لأمه وجده وأعمـامه الدور البارز بالاهتمام بأمن الرسول صلوات الله عليه وعلى آله و الحفاظ عليه بعد الله سبحانه حيث أن آمنة سلام الله عليها أرسلته مع جده لهذا المكـان مع حبها الشديد له ومفارقته لكنها رأته هيناً مقابل أن يحصل على فلذة كبدها أي مـكروه لعلمها ما ينتظره من دور يستدعي مفارقته لهـا هذا بعض ما عمله جواسيس اليهود بحثاً عن الرسول والنيل منه بعد فشل الإمبراطورية الرومانية ومبعوثها أبرهة في قتل الرسول بعد ولادته مباشرة وهدم الكعبة كما حكتها سورة الفيل إذ قامت الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت بأمر حاميتها والتي كانت تتبعها بإرسـال جيش كبير بقيادة أبرهة الحبشــي وله هـدف مـعلن وهو تدمير الـكعبة وهدف مبطّن وهو قتل رسول الله صلى الله عليه وآله حيث سطّر هذه القصة كتاب الله حيث قال { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ اْلْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تَضْلِيلٍ } حيث قال الوالد حفظه الله أن هدف الجيش المعلن هدم الـكعبة "والكـيد "هو الذي يبطنه الإنسان فكان ظاهر الخطة تدمير الـكعبة وباطنهـا قتل رسـول الله عندها وصل جيش أبرهة لليمن وبدأ بتنفيذ خطته الأولى وهي تدمير الدولة القائمة في اليمن وقتل ملكها ولعلمهم أنهم لن يستطيعــوا المساس بالكعبة إلا وقد دمروا اليمن ودولته حينهـا سيتسنى لهم الذهاب إلى مكة وإكمال باقي الخطة " تدمير الكعبة " وقتل الرسول ".

التخطيط لقتل الرسول وهدم الكعبة: 

بعد أن وصل أبـرهة الى اليمن والذي كـان قائداً للحملة الرومانية قـام بحرب الدولة الــقائمة في اليمن آنذاك والتي كـان ملـكها ذي يزن ـ والد الملك سيف - وعاث فيها فســاداً وقتل خيارها وكـان يقف خـلفه اليهود وإمبراطورية الرومـان لعلمهم أنـه لا يمكن أن تنجح خططهم واليمن مستقر فعزمـوا على إسقاط دولته وقتل الملـك ليتسنى لهم إكمـال المشــوار الأهم والأخـطر وهو قتل الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وتدمير بيت الله (الكعبة المشرفة حرسها الله) ولحقدهم على الـيمن بسبب أنه الحضارة الـوحيدة التى لم تخضع لأي استعمـار أجنبي حيث كانت جزيرة العـرب منقسمة على نفسها أجزاءً جزء في بلاد الشام يخضع للغساسنة الموالين للروم في الشام وجزء يخضع للمنـاذرة في بلاد الحيرة (العراق) الذين يتبعون الإمبراطورية الفارسية والجزء الباقي من العرب وهي البلاد التي لاتزال تمثـل التـوجه العـربي المحافظ على هويته وهو الأعظم المتمثل في اليمن بقيادة ملوك اليمن من التبابعة الحميريين ومن يتبعه من البلاد العربية فكانت اليمن هي الحضارة المستقلة في ذلك الزمن والتي تحافظ على رسالات السمـاء والمناصرة لها والمرتبـطة بالبيت العتيق بناءً وولاءً ودفاعاً وذلــك من عهد نبي الله إسماعيل عليه السلام فيما نعلم لكون قبائل جُرهم اليمنـية أصهاره وأنـصاره في نفـس الـوقت فعــلاقة اليمنيين بالبيت الحرام تأتـي بعد علاقـة نبي الله إبـراهيم وولـده إسـماعيل صلوات الله عليهم الذين خصهم الله بـرفع القـواعد من البيت كما حكى الله في كتابه المجيد { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
وكــان من مشيئة الله وتعظيـــمه لأهـل اليمن بأنه سُمِّي أحد أركان الكعـبة المشرفة بـالركن اليماني فارتباط أهل اليمن بالأنبياء ميَّزهم على غيرهم فمعظم أنصار الأنبياء والرسل من اليمن ( نبي الله هـود و نبي الله إبراهيم ونبي الله اسماعيل ورسولنا الكريم صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء وآله ) ومن أمثلة ذلـك ارتباطهم بالبيت الحـرام بناءً وهجـرةً وكســوةً فكان أول من هاجر إلى مكة المكرمة قبيلة جُرهُم اليمنية حيث استجاب الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } كما كان أول من كسا الكعبة البيت الحـرام هو المـلك تُبع اليماني رحمه الله فكانت اليمن بعلم الجميع هي الحضارة والبلاد المستقلة التي لم تخضع لأحد في هذا الـعالم إلا لله الـواحد القـهار. فلم يـكونوا إلا نـصرةَ لنبيٍ مرسـلٍ وأتباعاً لكتـابٍ مُنزلٍ ومحيين لمبـادئ الإســلام مع علَمٍ من أعـلام آل محمد عليهم السـلام فـكانت هذه أبرز النـقاط التي جعلت الروم واليهود يرسـلون أبرهة للقضــاء على هـذا البـلد ولعلمهم استحالـة التوجـه الى مـكة إلا بعد القضاء على الدولة القائمة في اليمن واليمنيين المتفانين في نُصرة البيت العتيق وهذا لمـن يقول أن أبرهة أتى من اليمن من بعض الـُكتّاب نـقول أليـس أبـرهة من الحبشة؟! ولماذا أتى؟ أليس غازياً لليمن محتـلاً مدمراً لـها؟ أوليست دولة الرومان من أرسلته؟ واليهود من حرضته ليكمل الجزء الاول من خطته بضرب اليمن ليتسنى له إكــمال خطته المرسـومة المتمثلة في ضرب الكعـبة والقضـاء على الرسـول في طفـولته وهـدم بيت الله الحرام بعد تدمير اليمن وقتل مـلكها اتجه الجيـش الغازي الى مـكة ولم تعتـرضه إلا قبائل يمنية مشهـورة كانت تُغير عليه ليلاً وتختفي في النـهار نتيجة لكثرة الجيش الغازي وقلتهم وعند ما وصل الجـيش بالقرب من مـكة فَطِنَ عبدالمطلب لما يريده الجـيش الغازي وما يبطـنه فعَمَد الى رفـع أهــله والنسـاء والأطــفال على جبـال مـكة لتـفويت الفرصــة على ذلك الجيش الغازي والقصــة في سـورة الفيل حيث قال الله { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ }
الله قال إنه جعل كــيدهم في تضليل فلم يقتلوا رســوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يخربوا البيت العتيق وانتصر عبدالمطلب ومن معه على جحافل الرومان فقد أرسل الله ما يدمر ذلك الجيش الغازي كمـا حكى الله وها نحن نرى الـيوم أن التاريخ يعيد نفسه فها هي اليوم دول الاستكبار العالمي المتمثل في أمريكا وإسرائيل تقوم بنفس العمـل تدمير اليمن وقَتل خياره ليتسنى لهم السيطرة على الجزيرة العربية والتي تحـوي الأمـاكن المقـدسة لكي لا يـكون هناك من يغضب ولا يذود حسب اعتقادهم وهذا الذي لـن يحصل فاليـمن واليمنيـون لن يتخـلوا ولن يسكتوا وسيظلون أنصاراً لله و لرسوله ولمقدسات الأمـة ودينها وأعـلامـها وللقضية الكبرى فلسطين والقدس الشريف.
ــ الشيء الصحيح أن حادثة الفيل إرهاصات من الله وتأييد ونصر منه لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولعبدالمطلب جد الرسول الصادق في ولائه لله ولبيت الله العتيق وضربة قاصمة لدولة الرومان بشكل عام وعلى الجيش الحبشي الغازي أبرهة وجنوده بشكل خاص مما هيأت الأجواء لينقض الملك سيف بن ذي يزن على بقية الأحباش في اليمن فيُقتل مسروق بن أبرهة فيحرر اليمن من الغزو الحبشي << وعلى الأصح من الغزو الروماني >> فيدخل الملك سيف بن ذي يزن قصر غمدان فتأتي إليه الوفود من كل مكان مهنئةٌ ومباركةٌ بعودة ملك العرب الأصيل ليكون على رأس المُهنئين سيد العرب وشريف العرب وفخر العرب عبدالمطلب بن هاشم جد الر سول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما أن رأه الملك سيف بن ذي يزن وسمع ذكر اسم عبدالمطلب بن هاشم فقال مرحباً ابن أختنا (لأن أخوال عبدالمطلب من الأنصار والأنصار من اليمن) فاختلى الملك سيف بن ذي يزن بعبدالمطلب ليطلعه على ما لديه من علم بالكتاب وصفة الرسول العربي الخاتم فقال الملك سيف لعبدالمطلب يا عبدالمطلب (إذا ولد لكم مولود بتهامة بين كتفيه شامة كانت لكم به الزعامة إلى يوم القيامة أنت أبوه أو جده يا عبدالمطلب غير كذب) فرد عليه عبدالمطلب قائلاً (أبيت اللعن أيها الملك لقد جاء لي ذلك الولد وفيه كل ما ذكرت من علامة سميته محمداً) فقال الملك سيف معلناً ولاءه للرسول باذلاً نصرته (والله لولا أني أعلم أن الموت مجتاحي في عامي هذا لجعلت العرب تتبع عقبه ولكن أترك الأمر إلى الله) ثم حذر الملك سيف عبدالمطلب من رهطه ومن اليهود على حفيده محمد وقال احذر عليه اليهود، واحذر عليه رهطك ثم أعطى الملك سيف الهدايا لوفد قريش وأعطى لعبدالمطلب مثل ما أعطى للوفد وكان الوفد يعبر عن استيائه مما نال عبدالمطلب من التبجيل والاستقبال من الملك سيف وكان عبدالمطلب يرد ويقول (آه لو تعلمون بما أعلم) ومن كان لديه أدنى معرفة فإنه يتأكد له وبدون أدنى شك أن إمبراطورية الرومان حتى بعد هزيمتها بعد حادثة الفيل بقيت على ارتباط ببعض الشخصيات من قريش وبالأخص مع بني أمية لمواصلة حربها على رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وأهل بيته بدليل أن حادثة الفيل مع حجمها وعظمها وما تحقق للعرب بعدها من إنجاز على إمبراطورية الرومان ومع اتصالها برسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وبأسرته وبالأخص جده عبدالمطلب، هذا الشرف للعرب عامة ولرسول الله وأهل بيته خاصة، وكان من المفروض والشيء الطبيعي لولا تدخل دولة الرومان بحربها المستمر في جميع المجالات والتي تسمى في مصطلحنا في هذا الزمان (الحرب الباردة) ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسرته عبر ممثل إمبراطورية الرومان من بني أميه أبي سفيان ووالده ومن يلتف حوله من حقدة قريش على رسول الله وأهل بيته، لكان من المفروض أنه بعد أن أعلن الرسول صلوات الله عليه وعلى آله دعوته أن العرب التفّت حوله كما قال الملك سيف بن ذي يزن تتبع العرب عقبه؛ ولكن حصل العكس؛ وذلك من تكذيب الرسول والوقوف في وجهه وحصاره ومحاولة قتله هذا هو الحاصل من جانب إمبراطورية الرومان وممثليها.
وأما من جانب الإمبراطورية الفارسية فكما ورد في التاريخ أن المعركة الفاصلة التي كانت بين العرب وإمبراطورية فارس كان من أشهرها (يوم ذي قار) والتي كان يقود العرب فيها هاني بن مسعود الشيباني والتي انتصر العرب فيها على فارس حتى قال قائل العرب : (من فاته يوم ذي قار فاته الشرف) وكان شعار العرب فيها (يا محمد) وباسم محمد وبترديد اسم محمد على ألسنتهم حصل لهم من الله التدخل بالانتصار الكبير على إمبراطورية فارس برسول الله محمد ، فإن صح التعبير فرسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي هزم الإمبراطوريتين الروم وفارس (فلبيك يا رسول الله) وشواهدها من كتاب الله، قول الله تعالى حاكياً عن اليهود { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } لذا نجد أن ميلاد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم صحبته أحداث متعلقة بإمبراطورية الروم وإمبراطورية فارس فغارت بحيرة (طبرية) أو( ساوة) وتساقطت شرنافات إيوان كسرى، وكُسِر الصليب، وتزينت السماء بتساقط الشهب ومنع شياطين الجن من اختراق السمع ...  

 ما بعد حادثة الفيل: ـ

من بعد حادثة الفيل عاد عبدالمطلب بن هاشم مع وفد قريش من زيارة الملك سيف بن ذي يزن قرير العين مرتاح الضمير مستبشراً لما يعلمه من مقام حفيده محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم النبي الخاتم وبما سمعه من الملك سيف بن ذي يزن في وصف حفيده نبي آخر الزمان وفي نفس الوقت يحمل عبدالمطلب هماً كبيراً في الاهتمام بحفيده والعناية به والحرص عليه من أعدائه اليهود ومن الحاقدين عليه من رهطه وغيرهم فكان عبدالمطلب يولي حفيده النبي اهتماماً كبيراً من حسن الرعاية ومن اليقظة المستمرة وأيضاً عاش رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم تارة في مكة عند أمه السيدة الطاهرة آمنة بنت وهب وعند مرضعته حليمة السعدية رضي الله عنها في بادية بني سعد حسب ما تقتضيه المصلحة في بقائه خوفاً عليه من المتابعة الشديدة من قبل اليهود الذين لا يؤلون جهداً في البحث عنه وبشتى الوسائل في الاجهاز عليه وحين بلغ ما شاء الله أرادت أمه أن تذهب به زيارةً إلى أخوال جده عبد المطلب في المدينة المنورة بيثرب وعند عودتها من تلك الزيارة توفت أمه ( آمنة بنت وهب ) رحمة الله عليها في الطريق قبل أن تصل إلى مكة فازداد ( عبدالمطلب ) حنواً وشفقةً على حفيده رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه لا يكاد يفارقه بل وكما يُروى أن( عبدالمطلب ) كان يجلس في فناء الكعبة فإذا أقبل حفيده محمد صلى الله عليه وآله وسلم قام جده من مكانه فيجلسه مكانه فإذا سألوا ( عبدالمطلب ) لماذا تجلس محمداً مكانك يقول دعوا ابني فإن له شأنا فعاش مع جده ما شاء الله فلما أحس جده ( عبدالمطلب ) بدنو أجله دعا أولاده وأقارِبه وأوصاهم في حفيده ( محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) بشكل عام وأوصى أبا طالب ( ابنه ) بحفيده محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشكل خاص لما يعلمه (عبدالمطلب) من اهتمام أبي طالب بابن أخيه محمد وعطفه عليه وحنوه عبر ما مضى من السنوات الماضية ولما يعلم من ثبات ورجولة وشجاعة منقطعة النظير في أبي طالب تجعله يتفانى في الدفاع عن ابن أخيه وحمايته من الأعداء وبحجم المسؤولية الكبرى التي يحملها( محمد صلى الله عليه وآله وسلم )ولما يعلم من ( فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب من عطف وشفقة وإيثار لمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم ) وحين أوصى أبا طالب في حفيده عبر(عبدالمطلب)أنه سيموت وهو قرير العين على حفيده (محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في رعاية الله وكفالة ( أبي طالب )فلقي ( عبدالمطلب )ربه وقد ذب عن بيت الله ونبي الله وسلَّم تلك الأمانة إلى حيث يطمئن قلبه ويرضى ضميره إلى( أبي طالب ) بعد ( الله ) فكان أبوطالب مصدقاً لفراسة أبيه فيه حاملاً على عاتقه الاهتمام المنقطع النظير بابن أخيه ( محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم ) لما يعلم هو الآخر أيضاً لما لابن أخيه من المكانة الرفيعة عند الله وأن له شأناً وأنه الرجل الموعود في العرب بحمل الرسالة فكان أبوطالب لا يفارق محمداً ولا يكاد يغيب عن عينيه فتارة يوصي به زوجته ( فاطمة بنت أسد ) بالاهتمام بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم مع علمه بشفقتها عليه وحنوها عليه وعطفها وتارة يوصي إخوانه ويزرع في قلوبهم محبة ( محمد ) صلى الله عليه وآله وإجلاله فإن أحرجت الظروف أبا طالب إلى سفر ما كان ( محمد ) صلى الله عليه وآله وسلم بصحبته ورفقته كما فعل في الرحلة التي أضاف قريش الراهب بحيرا لأنه رأى من صومعته غمامة تظلل وفد قريش إن ساروا سارت معهم وإن وقفوا وقفت معهم فعلم ( بحيرا ) أن تلك القافلة فيها نبي آخر الزمان فاستدعى ذلك الوفد وأضافه وحين رأهم ولم يرى ( محمداً ) صلى الله عليه وآله وسلم فيهم قال هل بقي أحد منكم يا معشر قريش لم يحضر وليمتي هذه؟ قالوا بقي غلام لأبي طالب فأرسل من يأتي به. وما إن رأه ( بحيرا ) حتى رأى صفات نبي آخر الزمان فيه ويقال أن ( بحيرا ) أورد على رسول الله محمد بن عبدالله أسئلةً تيقن من خلالها أنه النبي الموعود فقال لأبي طالب موصياً له احذر على ابن أخيك من اليهود واحرص عليه فو الله لو يعلمون منه ما أعلم لبغوا له شراً.
 تحرك أبوطالب من عند الراهب بحيرا مودعاً له شاكراً له حسن ضيافته ونصحه مستوعباَ لتوصياته، مواصلاً لمشواره في وجهة سفره إلى بلاد الشام ، وحين قضى حاجته من سفره عاد مسرعاً بابن أخيه إلى مسقط رأسه أم القرى (مكة) بجوار بيت الله العتيق، وعلى ما اعتاد عليه أبو طالب من تكرار التوصية لزوجته فاطمة بنت أسد ولإخوانه بالاهتمام بمحمد، وفعلاً كانت فاطمة بنت أسد كما عبّر عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنها أمي) كان يبيت عندها شبعاناً رياناً دهيناً مكحولاً في الحال الذي يبيتون أولادها على غير الحال الذي يبيت عليه محمد لديها من حسن إيثارها له، وعنايتها به، ومعرفتها بحقه، وما إن بلغ النبي صلى الله عليه وآله السن الذي يمارس فيه أي عملٍ يعود بالمنفعة عليه وعلى عمه وأسرته، حتى عمل على رعاية الأغنام، العمل الذي سلكه الأنبياء صلوات الله عليهم من قبله، حيث عبّر عنهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله (( ما من نبي إلا وقد رعى الغنم )) لما لهذه الخصلة الشريفة من أثر بالغ وعظيم ، والذي يتأهل فيه الإنسان العظيم إلى رعاية البشر والعطف عليهم والحنو والشفقة والاهتمام بعد أن يأخذ التجربة الكافية من تربية المواشي من حرصه عليها واهتمامه بها وحراسته لها من الذئاب، ولما لهذا العمل من فوائد جمة، حيث تدر على الإنسان مصدر رزق حلال، لا تدخله تدنيس الجاهلية من الربا والأموال المشبوهة التي قد تؤثر في زكاء النفوس من حيث لا يشعر الإنسان، كما أنه يكون مصدر رزق مستقل، لا يسيطر عليه أصحاب النفوذ في أي زمن من الأزمنة، كما تتيح للإنسان فرصة الاختلاء بالله والانقطاع إليه والتدبر في صفحات هذا الكون، وعلى كل حال فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي )) وقال عنه أخوه الإمام علي عليه السلام (( إن الله بعث له أكمل ملائكته يرفع له كل يومٍ خلقاً )) فتلك الفترة التي رعى فيها الغنم كانت بتدبيرٍ إلهيٍ وتأهيلٍ من الله لعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وآله ليستوعب في تلك المرحلة الزمنية ما هو بحاجة إليه لما سيكون له عوناً في أداء رسالته في المستقبل، فكانت تلك المدة الزمنية التي رعى فيها الأغنام بمثابة فرصة ليتعلم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما يحتاج إليه بما في ذلك اللياقة البدنية، وممارسة أعمال الفروسية، ولذا أثبت التاريخ أنه أشجع رجل عرفته الحياة وذو كفاءة عالية لا يوجد لها نظير في مجال الخبرة القتالية، كما روي أن هناك رجل في مكة يقال له ركانة كان يصارع فرسان قريش وأشداءهم فيصرعهم، فحين جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صرع ركانة في لمحة بصر، وحسبه أنه في هذا المجال أهَّلَ الإمام علياً عليه السلام بطريقة بهرت العالم كما تعلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تلك الفترة من تأديب الله له المُثُل العُليا من صدق القول وحسن الأمانة حتى سُمّيَ بالصادق الأمين، والعطف على المحتاجين وقضاء حوائجهم كما عبَّر عنه عمه أبوطالب: ــ
وأبيض يستسقى الغمام بوجههِ 
 ثميل اليتامى عصمةٌ للأراملِ

  يلوذ به الهُلَّاف مــن آل هاشــمٍ 
 فهم عنده في رحمةٍ وتفاضُلِ
وحين أخذ الوقت الكافي في هذا المجال مجال رعاية الأغنام أراد الله جل شأنه الذي تولّى رعاية نبيه وهدايته وتأديبه أن ينقله إلى مجال آخر وهو العمل في التجارة، حيث كانت قريش تعمل في هذا الجانب، لأن مكة كما قال عنها إبراهيم عليه السلام { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فاعتماد أهلها على التجارة، هو العمل الذي يغطي المساحة الكبيرة لأهل مكة لما لها من البركة ودعوة إبراهيم عليه السلام لها عندما قال { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ولما جعل الله فيها من بيته العتيق الذي تهوي إليه أفئدة من الناس الذي قال عنه الله { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ } ولاتساع الحاجة التي يراها رسول الله تحيط بعمه أبي طالب وأسرته المعنية برفادة البيت، وسقاية الحجيج، واستقبال ضيوف الرحمن الذين يقصدون بيت الله الحرام للحج والعمرة التي ورثها رسول الله وأعمامه وعلى رأسهم عمه أبو طالب من آبائه عبدالمطلب وهاشم بن عبدمناف وغيرهم، فرأى الرسول صلى الله عليه وآله تدبير الله له أن يتحرك في هذا المجال ـ مجال التجارة ـ فكان يسافر بتجارته من مكة إلى بلاد الشام فيُحَمِّل قافلته في ذهابها إلى بلاد الشام من مكة ويحملها في عودتها من بلاد الشام إلى مكة، وقد روي عنه أنه سافر أيضاً إلى اليمن وكان يعود بالأرباح الباهرة والملفتة لأنظار التجار ، كما كان يقوم بممارسة دوره بالنهي عن الربا والغش والخيانة والحلف والتقاسم بالأزلام وما عليه الجاهلية من دفن الموؤدة والظلم والبطش وشرب الخمور والقمار وكل أنواع الفواحش، ويدعوهم الى القيم المثلى التي كان عليها أبوهم إبراهيم عليه السلام، مما لفت نظر خديجة المرأة الطاهرة وزادت به إعجاباً مثلها مثل أهل النفوس الزاكية الذين يرون في محمد الأمل لإنقاذ هذا العالم.
 
 لأن مكة المكرمة التي يوجد فيها بيت الله الحرام أقدس مكان في هذا العالم لدى سكان شبة الجزيرة العربية وفي الواقع وكما سماها الله أُم القرى وأخبر عن قدسيتها حين قال { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } فأنظار العالمين تتجه إلى بيت الله فاتجاه العرب حباً وتقديساً وإجلالاً وتعظيماً لهذا البيت لأنهم يرون فيه فخرهم وشرفهم وهويتهم مع علم الجميع بأنه بيت الله الحرام والآمن الذي قال الله عنه { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } وحرم فيه القتال وقطع شجرها وحرم صيدها وميزها على كل بقاع العالمين بما جعل لها من القدسية وأمر خليله إبراهيم عليه السلام بالأذان في الناس بالحج إليها كما قال الله { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } فكان جميع خلق الله يقدسون مكة باستثناء اليهود الذي قال الله عنهم لنبيه { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } والذين هم أشد أعداء هذا البيت حقداً منهم على مكة وعلى أن إسماعيل الذبيح شارك في بناء الكعبة ولأنه جد النبي الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله مع معرفتهم الكاملة أن بيت الله هو القبلة الحق من الله بقوله تعالى { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } ومعرفتهم أن الرسول الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله رسول حق من الله كما قال الله عنهم { فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }
وقال عنهم عن معرفتهم للنبي { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } فكان جزاءهم من الله حرمانهم من بيته حتى يؤمنوا بهذا النبي الخاتم هم وغيرهم ممن جحد بهذا النبي الخاتم بقوله تعالى { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } وبما أن مكة المكرمة هي المدينة المقدسة ومحط أنظار العالم قدسيةً كانت أيضاً محط أنظار العالم اقتصادياً فكانت التجارة تأتي إليها من جنوب شبه الجزيرة العربية من اليمن والقادمة من البلدان الآسيوية وتنتقل منها إلى الشام وكانت تأتي البضاعة من الشام إليها وكانت تتجه منها إلى اليمن والبلدان من غيره وقال الله تعالى مبيناً هذه النعمة وممتناً بها على قريش حيث أصبحوا يتمتعون بهذا الشرف نعمة التجارة ونعمة الأمن قائلاً لهم مُذَكِراً في سورة قريش { لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } ولأن مكة محط أنظار العالم يأتوا إليها حاجين ومعتمرين ومتزودين لما هم بحاجة إليه كما أنهم يوصلوا إلى مكة ما يريدوا بيعه هناك وكان يحصل نتيجة البيع والشراء بعض المعاملات التي هي ممقوتة كالربا الذي حرمه الله والغش وغيرها من الأعمال غير الصحيحة كالتأخر في قضاء الدين فكان رسول الله صلوات الله عليه وآله يعمل في إصلاح الوضعية بالنهي عن الربا والغش والنصح بحسن المعاملة من قضاء الدين وغيره كما روي عنه أن أبا جهل نطل بعض من وصل من اليمن بماله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أعطِ الرجل حقه فقام أبو جهل صاغراً يعطي الرجل حقه وهذا عمل قد يكون شبه يومي إذا لم يتكرر في اليوم عدة مرات وهذا بحاجة إلى جهد أمني كبير على رأسه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإصلاح وضعية في مكان كمكة لكثرة الوافدين عليها وكثرة الحركة بالتجارة فيها وحين تشقق بناء الكعبة نتيجة طول مدة البناء وأثر السيول والمطر عليها أشار على الناس الزبير بن عبد المطلب قائلاً لقريش أن لا ينفقوا في إعادة بناء الكعبة إلا المال الحلال الذي لم يدخله الربا ولم يدخله مال البغي ولا يدخله درهم واحد من حرام وهذا يؤكد لنا أن هذه التوجيهات لن تكون إلا من رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله جاعلاً عمه في وجهة العمل ويؤكد ما نذهب إليه من أن أسرة النبي كانوا على ملة إبراهيم بعيدين عمَّا عليه الجاهلية ما عدا أبا لهب الذي أنزل الله فيه قرآناً يتلى { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ } فحين وصلت قريش في بنائها إلى المكان الذي يوضع فيه الحجر الأسود في الركن اليماني اختلفت من يضع الحجر الأسود في مكانه وتشاجرت وتخاصمت وخرجت السيوف من أغمادها وتعاهدت على جفان الدم ويروى أنهم قالوا نحتكم إلى أول من يدخل من هذا الباب أحد أبواب الحرم فكان أول من دخل بمشيئة الله وتدبيره محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله فقالوا رضينا بالصادق الأمين حكماً فأخبروه أنهم قد اختلفوا من يضع الحجر الأسود في مكانه وكل قبيلة تريد أن تحظى بشرف وضع الحجر الأسود في مكانه دون غيرها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إئتوني بثوب ثم وضع الحجر الأسود عليه (في وسطه) ثم قال كل قبيلة تجعل ممثلين عنها ليأخذوا بطرف ثم أمرهم بأن يرفعوا الثوب كلاً من جهته ويقربوه إلى مكانه فوضع الحجر الأسود هو بيديه الشريفتين فرضي الجميع بهذا العمل الذي أنقذ قريش من قتال بعضهم بعض وبغي بعضهم على بعض وشرف الله نبيه بوضع هذا الحجر مكانه فهو وارث إبراهيم وحفيده.
الزواج:
فلما بلغ رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم السن الذي أراد فيه أن يتزوج تقدم عمه أبو طالب جاء ومعه ابن أخيه محمد بن عبدالله ومعه إخوته حمزة والعباس والزبير والغيداق إلى عم خديجة عمر بن أسد ودخلوا عليه وعنده ابن عم خديجة ورقة بن نوفل و ابن أخيها حكيم بن حزام و جمع من رؤساء مضر وكبراء مكة وأشرافها لإتمام العقد وتكلم أبو طالب باسم ابن أخيه محمد ثم وقف خطيباً وقال: (( الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته و سُوَّاس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجاً وحرماً آمناً وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به شرفاً ونُبلاً وفضلاً وإن كان في المال قِلّاً فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعاريّة مسترجَعة ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وقد بذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي هذا وهو مع هذا له نبأ عظيم وخطر جليل )) وخطب ورقة بن نوفل فردَّ على أبي طالب فكان مما قال : (( الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرتَ وفضّلنا على ما عدّدت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا ينكر العرب فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم ورغبتنا في الاتصال بحبلكم و شرفكم فاشهدوا عليّ معاشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبدالله فقال أبو طالب : قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا عليّ معاشر قريش أني أنكحت محمد بن عبدالله ))، وقد قيل أن صداقها عشرين بكرة وقيل اثنى عشر أوقية ذهبا ونشا وشهد على ذلك كل من حضر ذلك الجمع المبارك من قريش ، ونحَر محمد ابن عبدالله الجزور وتم الفرح على الجميع وقال أبو طالب: (الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب، ودفع عنا الغموم)، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياته الزوجية مع السيدة خديجة التي اختارها الله وأكرمها بأن تحظى بهذه المهمة، كونها سكنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و أماً لأبنائه ...
في ذلك البيت المبارك المليء بنور محمد وبهائه وجماله وكرمه وحسن أخلاقه التي عبر عنها الله بخير بيان { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } وفي ذلك البيت الذي ملأت جوانبه عطف خديجة و كرمها وإحسانها وإيثارها في ذلك البيت الذي يذكر الله فيه وحده تسبيحا وتعظيما وتقديسا ذلك بيت خديجة الذي كان أشبه البيوت ببيت والده عبدالله وأمه آمنة و أبي طالب وفاطمة بنت أسد والتي لم يكن للأصنام وجوداً فيها ولا ذكراً. البيوت التي قال فيها الشاعر شوقي: ــ
 بيت الـنبيين الــذي لا يلتقــي 
 إلا الحنائف فيه والـحنفاء

 خلقت لبيتك وهو مخلوقٌ لها
 إن العظائم كفؤها العظماء

واستقر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله في ذلك البيت الطاهر واستمر في عمله الدؤوب على جميع الأصعدة مما جعل من التقى به من أصحاب النفوس السليمة يهواه ويفضله على أبيه وأمه كما فعل زيد ابن حارثة عندما أتى إليه أبوه وعمه وخايراه بين الرجوع معهم أو البقاء عند محمد فاختار البقاء لأنه كان غلاماً لخديجة أهدته إلى محمد. فخرج صاحب الخلق العظيم إلى فناء الكعبة معلناً تبنيه لزيد بن حارثة وقال (( أشهدكم أن زيداً ابني يرثني وأرثه )) ليشعر بخلقه العظيم أبا زيد وعمه ومن سمع قوله أنه في منزلة الابن وليس في منزلة المولى وليبادل وفاء زيد بالوفاء الذي آثاره على أبيه وعمه فحظي زيد بن حارثه بأن يكون ضمن هذا البيت بأن يتربى في هذا البيت النبوي الشريف الذي يظم أطهر خلق الله رسول الله وخديجة والإمام علي ويضم المقربين من خديجة أولادها ومواليها.
نزول الوحي:
وحين أراد الله سبحانه وتعالى إكرام نبيه محمد صلوات الله عليه وعلى آله أكمله واصطفاه وشرفه بالنبوة والوحي، وأنزل عليه فاتحة الكتاب مع أطهر ملك من ملائكة الله ورسوله إلى رسله وأمينه على وحيه جبرائيل عليه السلام فبلغه رسالة ربه بأرقى طريقة وأجمل أسلوب وعلمه فاتحة الكتاب، هذه السورة أول سورة نزلت على رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله كما أكد ذلك مولانا السيد حسين بدر الدين الحوثي عليه السلام.
عندما عاد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله إلى بيته مخبراً لخديجة بنزول الوحي عليه وبأنه رسول من الله أستبشرت وقالت: أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.. لأنها كانت على انتظار وعد من الله يتحقق بإرسال محمد نبياً لما سمعت ولمست من انسجام صفات نبي آخر الزمان في شخص محمد و من كلامها أيضاً لرسول الله بعد أن أخبرها بنزول الوحي عليه: ( والله لن يسلمك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكلَّ وتعين على نوائب الدهر وتقرئ الضيف ) لذلك أجمع المسلمون على أن أول من آمن بالله ورسوله خديجة بنت خويلد و علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة والمتواجدون في ذلك البيت المبارك، ثم تتابع المسلمون السابقون في الإيمان بعدهم كلٌّ حسب ما قدّر له رضي الله عنهم وأرضاهم.
تحقق للسيدة خديجة ما كانت تنتظر من نزول الوحي على رسول الله وما أن بدأ الرسول صلوات الله عليه وعلى آله بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، وما إن أمره ربه تبارك وتعالى بقوله { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } حتى ثارت ثائرة قريش وبدأ حقدهم واشتدت عداوتهم واستجاب لرسول الله من استجاب وسارع أهل بيته للإيمان ما عدا عمه أبو لهب وامرأته حمالة الحطب وإن لم تكن من بني هاشم وأما بطون قريش فلم يسلم منهم إلا الرجل والرجلين وقليل من الموالي أولئك القلة القليلة كانوا على درجة عالية من الإيمان بالله ورسوله والحب الشديد لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله والتفاني في سبيل إقامة دين الإسلام الذي جاء به رسول الله محمد ابن عبدالله صلوا ت الله عليه وعلى آله.
غضب قريش وموقف أبي طالب:
وتوجهت قريش تارة لإيذائهم و تارة لتعذيبهم لصدهم عن سبيل الله وحاولت جاهدة بكل ما لديها من وسائل ولكنها باءت بالفشل أمام تلك القلة المؤمنة الصابرة، و كما روت لنا السير عن ما لاقته هذه الفئة المؤمنة فمنهم من عُذب بالنار كـ ( خباب بن الأرتّ ) رضي الله عنه و منهم من عُذب في الرمضاء كـ ( بلال ) رضي الله عنه ومنهم من استشهد في التعذيب كـ ( سمية ) وزوجها رضي الله عنهم ولم يسلم من العذاب إلا من كان له منعة في قريش وكلما مر الزمن اتسعت الدعوة وزادت قريش حنقاً وسخطاً و ترددت على عمه أبي طالب قائلة له: ( يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب ديننا وعاب آلهتنا وإننا مناجزوه وإياك أو تمنعه من ذلك ) تارة تهديداً بهذه الصيغة وتارة ترغيباً (( إن شاء أن نملكه علينا ملكناه وإن شاء أن نزوجه زوجناه من يشاء من أجمل نساء قريش وإن كان به قل من المال بذلنا له من أموالنا ما يشاء وإن كان به جنة عالجناه ))، وما إن سمع رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ما قالت به قريش حتى قال: (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )) فقال له عمه: (( امض لما أمرك الله به فوالله لن أسلمك أبداً )) حينئذ أيست قريش من أن أبا طالب سيتخلى عن ابن أخيه وهو القائل:
            كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ولما نطاعن دونه ونناضــل
في قصيدته المشهورة والتي أثنى فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله:
 وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثميل اليتامى عصمة للأرامـل
            يلوذ به الهُلاف من آل هاشــــم فهم عنده في رحمة وتفاضل
كما يثبت لهم من خلالها أنه مصدق بابن أخيه فيما جاء به
            لــقد علـموا أن ابننا لا مــكـذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطـل
وقال في قصيدة أخرى:
            لــقد علــموا أن محمداً نبيـ ـاً كموسى والمسيح بن مريم
فعمدت قريش للحصار الجماعي على بني هاشم في الشعب وكتبت صحيفة المقاطعة المشهورة التي علقت على الكعبة بأن لا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم ولا يبيعوا ولا يشتروا منهم حسب ما تضمنت الوثيقة التي حاولت قريش إضافة القدسية عليها بتعليقها في الكعبة المشرفة، مما دفع بأبي طالب إلى أخذ الموقف على محمل الجد فانحاز بأهله وبني هاشم إلى شعب أبي طالب ليتمكن من حراسة ابن أخيه والذي كان أبو طالب حريصاً كل الحرص بأن يفديه بأبنائه وإخوته كما قال يوماً لولده علي: (( نم في مكان ابن عمك )) أثناء تواجدهم في الشعب فقال له الإمام علي يختبر أباه: (( إني مقتول )) فقال له أبو طالب:
            قـــد بلوناك والــبلاء شــــــديد لــفداء النجيب وابـــن النجيب
فرد الإمام علي عليه السلام على أبيه:
           أتأمرني بالصبر في نصر أحمد فوالله ما قلت الذي قلت جازعا
وهذا مما يدل أن رسول الله عندما أخذ علياً سابقا عنده في بيته ليربيه عنده ليس وإن ذكر أهل السير أنه للعوز والفقر كما يذكر أهل السير وإنما لأمر يريده الله لكي يحظى علياً بتربية رسول الله كما عبر عنها الإمام علي في نهج البلاغة بقوله: ( يضمني في حجره ويشمني عرفه ويمضغ اللقمة ويلقمنيها وكنت أتبعه إتباع الفصيل أمه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل .... إلخ ) هذا من جانب ومن جانب آخر ليطمئن قلب أبي طالب بتنفيذ وصية والده عبدالمطلب بأنه قد جعل ابنه علياً حارساً شخصياً لابن أخيه محمد مع مناسبة سن علي في تلك المرحلة لتلك المهمة لذلك رأينا أبا طالب مهتماً بحراسة رسول الله فهو يوليها اهتماماً كبيراً يتجلى في وصيته لأبنائه وإخوانه وعلى رأسهم حمزة الذي كان كما سماه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله (( أسد الله وأسد رسوله )) والذي لم يرَ شيئاً يغضب رسول الله إلا تصدى له وفي ظل هذه الأوضاع الاقتصادية والحصار المفروض على بني هاشم والذي تنكر فيه القريب والبعيد.
ودفع الحقد بقريش أن تكتب وثيقة تقاطع فيها بني هاشم أرسل الله عليها الأرضة فأكلتها وجاء فتية من قريش فتذاكروا حصار بني هاشم منهم المطعم بن عدي وتنادوا في نقض الصحيفة وتظافرت جهودهم في نقض تلك الصحيفة الظالمة وحين راى أبو جهل ذلك الموقف الحازم قال أمرٌ دبر بليل وكان أبو طالب قد أخبرهم عن رسول الله أن صحيفتهم قد أكلتها الآرضة.
ولحرص أبو طالب الشديد على بقاء الدعوة ونصرة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله قد كتب أبياتاً من الشعر إلى النجاشي مع جعفر يوصيه في حفظ المسلمين قال فيها:
           تــعلــم خيـــار النـــاس أن محمداً وزيرٌ لموسى والمسيح بن مريم
           فـــلا تجعلــوا لله نـــداً وأســـلموا فــإن طريــق الحق لــيس بمظلم
وبعد أن توجه جعفر عليه السلام وأولئك الثلة من المؤمنين بأمر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله مهاجرين إلى الحبشة ومعهم رسالة أبو طالب الذي حث فيها أبو طالب النجاشي في حفظ جعفر ومن معه ونصرة الرسول هذه بعض أدوار أبو طالب عليه السلام
وأما خديجة فهي تعد بعد الله الرافد لرسول الله ولدعوته ولمن التف حوله من أهله وذويه وكانت ترسل العير بالأطعمة طوال مرحلة الحصار كما كانت السيدة خديجة ( رضي الله عنها ) بقلبها الكبير وتفكيرها الدائم مع الرعيل الأول الذي أسلم وتمسك بإيمانه ولم يصرفه عنه صارف وتحمل صنوف الأذى وألوانه وكان يشغل بالها ما يلاقي المسلمين من أذى وتعذيب أو عوز أو حاجة ويستولي عليها الأسى والحزن، كانت دائما تتجه إلى الله بالدعاء مصحوباً بالعمل وبذل الأموال والمواساة للجميع وبذلك استحقت من الله أن يقرئُها السلام.
 كما حظيت خديجة بهذا القول من النبي صلوات الله عليه وعلى آله: (( والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد آمنتْ بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس ورزقت منها الولد حين حرمت من غيرها )) فهي أم ( القاسم ) الذي كان يكنَّى به رسول الله وأم ( عبدالله ) الطيب و الطاهر وهي أم البضعة الزهراء (( سيدة نساء العالمين وأم أبيها )) ومن حفظ الله بها ذرية رسول الله إلى يوم القيامة .. فهنيئا للسيدة الطاهرة خديجة بما حظيت به من قرب من الله ورسوله وبما استحقت به السلام من الله عندما قال جبريل لرسول الله: (( يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخصك بالتحية والإكرام ويأمرك أن تقرأ على خديجة السلام )) فلما بَلَّغها رسول الله ذلك قالت: (( الله هو السلام وإليه يعود السلام وعليك يا رسول الله وعلى جبريل السلام )) وتوفيت في ذات العام هي وعمه أبو طالب وسُمي بــ ( عام الأحزان ) وفعلاً توالت الأحزان على رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وتسارعت الأحداث في تضييق الدائرة عليه وتشديد الرقابة عليه وعبر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم بقوله مانالت مني قريش حتى مات عمي أبو طالب فسلام الله على شيخ مكه وحامي الرسول بعد الله يوم وقف بجنب إبن أخيه وقال:( إصدع بما تؤمر فوالله لاأسلمك أبدا ) ويوم لقي الله وقد أعذر في نصرة الله ورسوله ويوم يبعث حياً.
الدعوة في مواسم الحج:
 لقد كان رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله يدعو قومه ليلاً ونهاراً سراً وجهراً بأرقى طريقة وأفضل أسلوب ولقد كان طوال تلك السنين في مكة المكرمة مستفيداً من كثره الوافدين عليها في مواسم الحج والعمرة يعرض نفسه ودعوته على كل العرب لعل وعسى أن يوجد لدعوته العظيمة اذاناً صاغية.
 ولقد كانت قريش تبذل قصارى جهدها في التضليل والتشكيك والصد عن الله ورسوله.
حتى لقد كان الوافد إلى مكة يطلب منه أن يجعل في أذنيه "الكرسف" لئلا يسمع من محمد كما فعلوا بأبي الطفيل رضي الله عنه وكان الملأ من قريش يبذلون أموالهم في الصد عن الدعوة. وكان أبو سفيان يتزعم ذلك الصد حتى لقد ورد أنه عندما جاء الشاعر الأعشى فسأله أبي سفيان: إلى أين ياأعشى؟ فقال: إلى محمد. فقال هل لك أن تعود إلى العام القادم وأعطيك مائة من الإبل فصد الأعشى بالإبل وعاد بها. فسقط من على إحداهن فإنكسرت عنقه. فمثل هذا الدعم الرهيب يؤكد ما نقول به من أن أبي سفيان عميل "لدولة الرومان" لأنه من المعروف أن هرقل ملك الروم استدعى أبا سفيان وسأله عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وعن أتباعه قائلاً:
كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فقال: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.
قَالَ هرقل: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قال: لاَ.
قَالَ هرقل: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُال: لاَ. قَالَ هرقل: فَأشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فقال: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.
قال هرقل: أيَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ؟ قال: بَلْ يَزِيدُونَ.
قَالَ هرقل: فَهَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قال: لاَ.
 قَالَ هرقل : فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قال : لاَ.
 قَالَ هرقل: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قال: لاَ
 وحين إنتهى أبو سفيان من كلامه لهرقل ضرب هرقل برجله وقال: والله لايملكن ما تحت قدمي هذا. فقال أبو سفيان: أيهٍ لك يا ابن أبي كبشة أصبحت تخافك ملوك الأصفر ويقصد بإبن أبي كبشة أبو رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله من الرضاع زوج حليمة السعدية رضي الله عنها.
 ولقد كان شغل الملأ من قريش الشاغل ليلهم ونهارهم هو الصد عن الدعوة وعن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بشتى الوسائل. ومع ذلك صبر الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وحبه الله وثقته بما هو عليه و حرصه على هداية الناس كما وصفه ربه:
{لَعَلَّكَ بَـاخِعࣱ نَّفۡسَكَ أَلَّا یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِینَ} { طه مَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰۤ}
وأنظارهن من الكتاب لمس ما يطمئن به نفسه تارة وتارة أخرى {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ قُمۡ فَأَنذِرۡ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ وَثِیَابَكَ فَطَهِّرۡ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ}.
 وكان صلوات الله عليه وعلى آله وسلم خير من أنذر وخير من بلغ وخير من دعا فإذا جاء موسم الحج بذل ما في وسعه من عرض نفسه على القبائل وتبيين دعوته.
 ومره في المواسم إلتقى بكبير همدان قيس الأرحبي وعرض عليه دعوته ونصرته فآمن بالله ورسوله. وكما يروى أن عرض عليه أن يهاجر إليه فطلب من رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أن يستأذن قومه والموعد العام القادم.
 وكأنه يريد أن يهيئ الأجواء بالشكل الذي يرضي الله ورسوله ولكن حكمة الله وإرادته أن أتى للرسول بأولئك النخبة من المؤمنين من الأوس والخزرج ليؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله ويبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعوا أهلهم وذراريهم وأن يقاتلوا معه الأسود والأحمر.
ولقد كانوا كما قالوا رضي الله عنهم وأرضاهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء لأهل المدينة بشكل خاص ولأهل اليمن بشكل عام أن يكونوا هم المستجيبين لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله المؤمنين به والذابين عنه مع أهل بيته وخيار أصحابه.
رحلته إلى الطائف:
 وكما أسلفنا من أن أبا طالب عليه السلام لما توفي إزدادت عداوة قريش لرسول الله ومضايقته ومتابعته حتى لايكاد يغيب عن أنظارهم.
فخرج رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ذات يوم إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه ولما وصل صلوات الله عليه وعلى آله إلى الطائف عرض عليهم دعوته فاعرضوا عنه وأغروا به صبيانهم ومواليهم فأخذوا يرمون على رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بالحجارة حتى أدموا قدميه صلوات الله عليه وعلى آله.
 وكان عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة في بستان لهما فأرسلوا عبدا لهما يقال له عداس بقطف عنب ليوصله إلى رسول الله . وكيف ما كانت نيتهم هل ليشعروا رسول الله أنه تحت مراقبتهم أو كما قالت بعض السير أنه تحرك له الرحم منهما.
وعلى كل حال فقد جاء عداس إلى رسول الله بقطف العنب فلما أخذه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله.
قال بسم الله الرحمن الرحيم فقال عداس إن أهل هذه البلاد لا يذكرون الرحمن الرحيم فقال له رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله من أين أنت ؟
قال من أهل نينوى فقال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم قريه أخ صالح يونس بن متى. فقال عداس: وما أدراك بيونس ابن متى؟ قال ذاك أخي هو نبي وأنا نبي. فانكب عداس على قدمي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله يقبلهما.
 فقال أحدهما أما غلامك فقد أفسده وفعلاً آمن عداس بالله ورسوله.
و كما يروى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله في تلك الأجواء الصعبة وهو يعاني من رفض أهل الطائف للحق و عدم قبولهم له بإرسال أطفالهم وغلمانهم بالحجارة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله. ومن شماته قريش وهم من الأعداء توجه كما هي عادته إلى ربه داعياً (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى بعيد ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى و لا حول و لا قوة إلا بك ) فجاء إليه جبرائيل عليه السلام يقول له:(إن ربك يقرئك السلام وان شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ) وهذا يبين لنا معنى هذه الآيات التي يقول الله فيها: {ذرني ومن خلقت وحيدا} { ذرني والمكذبين أولي النعمة}. لأن حكمة الله إقتضت ألا يعذب هذه الأمة ورسول الله فيها إجلالاً لنبيه وإكباراً لمقامه و تعظيماً لشأنه. كما أن حكمته جل شأنه إقتضت ألا يعذبهم وهم يستغفرون كما قال الله سبحانه و تعالى:
{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وماكان الله معذبهم وهم يستغفرون} فتحرك رسول الله عائدا إلى مكة هو وزيد بن حارثة فلما وصلا إلى مكة قريب من الحرم صلى المغرب والعشاء وأثناء ماكان في صلاة العشاء وهو يتلو القرآن الكريم صرف الله إليه نفر من الجن الذين آمنوا به وصدقوه وسارعوا في نشر دعوته. {وَإِذۡ صَرَفۡنَاۤ إِلَیۡكَ نَفَرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤا۟ أَنصِتُوا۟ۖ فَلَمَّا قُضِیَ وَلَّوۡا۟ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِینَ قَالُوا۟ یَاقَوۡمَنَاۤ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَابا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ یَهۡدِیۤ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِیقࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ یَاقَوۡمَنَاۤ أَجِیبُوا۟ دَاعِي ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ یَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَیُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِیمࣲ وَمَن لَّا یُجِبۡ دَاعِي ٱللَّهِ فَلَیۡسَ بِمُعۡجِزࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَیۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦۤ أَوۡلِیَاۤءُۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ).
وكأن الله سبحانه وتعالى يطمئن نبيه ورسوله أنه إذا أعرض عنك أهل الطائف وكفار قريش والكافرين من الإنس فإن هذه مقدمة طلائع من الجن.
الإسراء:
 كما أنه في نفس هذه الليلة عندما وصل الرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله الى الحرم جاءه جبريل عليه السلام و أخذه في رحلة إلى بيت المقدس ليريه الله من آياته كما قال سبحانه وتعالى: {سُبۡحَانَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَـاركۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَاتِنَاۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ}.
 فوصل إلى بيت المقدس فرأى ما فيه واطلعه الله على ما يشاء من آياته التي ذكرها وعاد من ليلته. وهذا الإسراء بجسده وليس بروحه وفي يقظته وليس في منامه. وما إن طلع الفجر حتى أقبلت قريش تستحث النبي قائلة: أين كنت البارحة يا محمد؟ ولعلهم يريدون أن يسألوه عن رحلته إلى الطائف ليشمتوا عليه. فقال لهم رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وأجابهم بما لايتوقعون ولايخطر ببالهم: كنت ببيت المقدس فقالوا نحن نضرب آباط الإبل شهر رواحا وشهر إيابا و أنت تأتيها في ليلة! فإن كنت صادقاً فصف لنا بيت المقدس؟ وهم يعلمون أنه لم تكن له رحلة سابقة لبيت المقدس. فوصفه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله و أجابهم على كل ما سألوه وكأنهم فيه. ثم أضاف لهم رسول الله إيضاح لما قاله بقوله: مررت البارحة بعير بني فلان وهم في كذا..
 وأخبرهم صلوات الله عليه وعلى آله بأن القافلة هذه ستطلع عليهم مع شروق الشمس من الثنية يقدمها بعير أورق. فانطلقوا إلى الثنية لا ينظروا ماقال محمد. وبما أن وقعت أنظارهم على الثنية إلا وقال قائلهم: هاهي الشمس قد طلعت. فقال الآخر راداً عليه وهاهي العير قد طلعت يقدمها جمل أورق كما قال محمد!! .
حينها أيقنت قريش أن كل ما يقوله رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله حقاً وصدقاً من الله فأخذته العزة بالإثم وإجتمعت في دار الندوة.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من بيته وهو يتلو قول الله سبحانه وتعالى { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدَّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } ( يس ــ9 ) وتحرك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وتحرك معه صاحبه أبو بكر باتجاه غار ثور وما أن اتضح لقريش أن علياً هو من كان على فراش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأن رسول الله قد غادر منزله حتى جنَّ جنونهم ثم قصت الأثر وتبعته ولعلها أحضرت من القافة الذين لهم خبرة في تعقب الأثر ليساعدهم على معرفة تواجد الرسول ولكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بحكمته وتدبير الله له ذهب إلى الغار من غير الطريق المعهودة واستنفرت قريش الكل في البحث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وكما يُروى أنه وصل مجموعة منهم إلى جوار الغار ولكن تدخل الله ورعايته حالت دون أن يعثروا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله دون أن يُلقُوا بأبصارهم إلى داخل الغار كما قال الله سبحانه وتعالى { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اْلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانيَ اْثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في اْلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اْللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ اْلَّذِينَ كَفَرُوا اْلسُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ اْلْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( التوبة ــ40 ) فعادت قريش من جوار الغار خائبة فمكث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله هو وصاحبه ثلاثة أيام في الغار حتى خف الطلب عنه وأيست قريش من البحث عنه وذكر ابن هشام في سيرته [ قال ابن إسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثلاثاً ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. ] وأيضاً كان عامر بن فُهَيرَة يعفي أثر عبد الله بن أبي بكر بالغنم وعندما خف الطلب أتى عبد الله بن أُرَيْقِط إلى عند رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وصاحبه أبي بكر. وكان رجلاً له معرفة بالطريق وخِبره كافية وأتاهما براحلتين كان قد اشتراهما أبو بكر للغرض نفسه فمشى إليهما فتحرك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأبو بكر وعبد الله بن أُرَيْقِط نحو المدينة المنورة وكان عبد الله بن أُرَيْقِط يسلك بهما الطرق غير المعتادة حتى لا تقع عليهم أنظار من أغرتهم قريش فيدلُّوا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وكان إذا أحتاج إلى الطعام يمر بهم إلى الأماكن التي يوجد بها طعام والأماكن قليلة التجمع ومن حسن حظ أم معبد نزل عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ضيفاً هو ومن معه قال ابن هشام [ أم معبد عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعية صحابية استضافت النبي محمد في خيمتها أثناء رحلة هجرته من مكة إلى يثرب. ]
رحلة الهجرة:ــ
مر النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه في رحلة هجرته بخيمة أم معبد، فسألوها شراء شيئًا يأكلونه، ولم يكن عندها شيء. فرأى النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله شاة لها هزيلة، فاستأذنها في حلبها، فلم تمانع، فوضع يده على ظهرها وسمى الله ثم دعا بالبركة، فامتلأ ضرعها لبناً، فشرب هو وأصحابه ثم ارتحلوا. ولما عاد زوجها، تعجَّب من وجود اللبن، فأخبرته الخبر، فسألها أن تصفه، فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، مبتلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل أحور أكحل أرج أقرن شديد سواد الشعر، في عنقه سطح وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق فصل لا نذر ولا هذر. أجهر الناس وأجملهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب، ربعه لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً له رفقاء يخصون به إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود، محشود لا عابث ولا منفذ. فقال أبو معبد: «هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً». وقد هاجرت بعد ذلك أم معبد وزوجها إلى يثرب، وأسلما. ولها رواية حديث عن النبي محمد.
هوامش
1 ــ مبتلج الوجه: مشرق الوجه.
 2 ــ لم تعبه ثجلة: ليس فيه ضخامة بطن.
 3 ــ لم تزر به صعلة: لم يشنه صغر الرأس.
 4 ــ في أشفاره وطف: طويل شعر الأجفان.
 5 ــ في صوته صحل: رخيم الصوت.
 6 ــ في عنقه سطح: ارتفاع وطول.
 7 ــ حلو المنطق فصل لا نذر ولا هذر: لا عي فيه ولا ثرثرة في كلامه.
 8 ــ ربعه: وسط ما بين الطول والقصر.
 9 ــ لا تشنؤه: لا تبغضه.
 10 ــ لا تقتحمه عين من قصر: لا تحتقره لقصره.
11 ــ محفود: يسرع أصحابه في طاعته.
12 ــ محشود: يحتشد الناس حوله.
13 ــ لا عابث ولا منفذ: غير مخزف في الكلام.

سُرَاقة يتبع أثر الرسول صلوات الله عليه وآله:ــ 
وما إن بلغ إلى مسامع سُرَاقة بن مالك خبر أن قريشاً أعطت لمن يأتي بمحمد صلوات الله عليه وآله مائة من الإبل حتى كانت تلك الإبل شغله الشاغل في البحث عن محمد لعل وعسى أن يحظى بتلك العطية من قريش وفي ذات يوم وسراقة في نادي قومه إذ أقبل رجل من قومه أخبر أنه رأى ركب محمدٍ فأشار إليه سراقة بعينه وغطى على من يسمعه بقوله إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم ثم طلب من جارية له أن تَقِيدَ فرسه وسرجه خلف الخباء وخرج وهو يختط رمحه مظهراً أنه غير مهتم بما قال الرجل ولحق رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسقط من على فرسه ثم قام فتحرك مرة أخرى ثم سقط ثم قام حتى إذا اقترب من رسول الله صلوات الله عليه وآله غارت قوائم فرسه في الأرض وسقط من على فرسه ثالثة وحينها دخل في نفسه أنه أمام شخص يحظى برعاية رب السماوات والأرض ووعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أن يكُف الطلب عنه وكتب له رسول الله صلوات الله عليه وآله كتاباً ليكون بينه وبين رسول الله آية ويُروى أن رسول الله صلوات الله عليه وآله قال له ما يمنعك من الإسلام يا سراقة؟ أقلت أهله؟ أم قلت ذات أيديهم؟ ولكأني بك وعليك تاج الملك وسواري كسرى وفعلاً تحقق ما وعد به رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله سراقة عندما دخل المسلمون بلاد فارس. 

رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله يدخل المدينة من قبا:ــ
وما إن اقترب رسول الله صلوات الله عليه وآله من المدينة استأذن عبد الله بن أُرَيْقِط من رسول الله صلوات الله عليه وآله للعودة وقد باتوا تلك الليلة عند رجل أرسل مع رسول الله صلوات الله عليه وآله من يرافقهم إلى المدينة ودخل رسول الله صلوات الله عليه وآله المدينة من قبا ونزل على كبير الأوس [ كلثوم بن الهدم ] ومكث رسول الله صلوات الله عليه وآله ثلاثاً وقيل أربعاً منتظراً قدوم الإمام علي وبضعته الزهراء وفاطمة بنت أسد عليهم السلام اختط في تلك الأيام مسجد قبا الذي قال الله سبحانه وتعالى منه { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اْلتَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُ اْلْمُطَّهِرِينَ } ( التوبة ــ108 ) وأرسل إلى صاحبه أسعد بن زرارة وكانت الأوس تطلبه بدمٍ لها عنده وكانت بين الأوس والخزرج حروباً استمرت حيناً من الزمن فأراد رسول الله صلوات الله عليه وآله أن يبادر بالصلح بين تلك القبيلتين العظيمتين الأوس والخزرج وكان اختيار رسول الله صلوات الله عليه وآله أن ينزل في الأوس أولاً ليتسنى له القيام بمهمة إصلاح ما بينهما لأن الدم لا يزال للأوس على الخزرج هذا من جانب ومن جانب آخر ليوازن بين قدومه وإقامته ليحظى الأوس بشرف القدوم وتأسيس مسجد قبا أول مسجد أسس على التقوى وتحظى الخزرج بشرف الإقامة للنبي وبناء مسجده الأعظم وفي أثناء إقامة رسول الله صلوات الله عليه وآله عند الأوس في قبا وهم ملتفون حوله سألهم بقصد عن أسعد بن زرارة فنظر بعضهم إلى بعض وفهموا أن رسول الله صلوات الله عليه وآله يريد صلحاً فأرسلوا لأسعد ابن زرارة وكان من خيار أنصار النبي صلوات الله عليه وآله وكان هو الشخص المطلوب للأوس فأصلح رسول الله صلوات الله عليه وآله بين الأوس والخزرج وبهذا صلح أمر الأوس والخزرج ولأهمية إصلاح ذات البين قال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ( إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ) فما أجمل والمسلمون يستقبلون في كل عام ميلاد رسول الله صلوات الله عليه وآله أن يمضوا على خطى رسول الله صلوات الله عليه وآله في إصلاح ذات بينهم. 
وفي تلك الأجواء وصل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وفي صحبته الفواطم عليهم السلام وخرجت الأوس والخزرج رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً مستقبلين رسول الله صلوات الله عليه وآله ومن معه يهتفون 
طَلَعَ البدرُ عَلَينا 
مِن ثَنِيَّاتِ الوَداع 

 وَجَبَ الشُّكرُ عَلَينا
  مَا دَعا للهِ داع

 أيُها المبْعُوثُ فِينا
جِئتَ بِالأمرِ المُطَاع

 جِئتَ شَرفت المدينة 
 مرحبًا يا خَيرَ داع 

وكلما مر رسول الله صلوات الله عليه وآله بملأ منهم أمسكوا بخطام ناقته وقالوا عندنا يا رسول الله على الرحب والسعة وهو يردد عليهم قوله صلوات الله عليه وآله ( دعوها فإنها مأمورة ) وما إن وصلت الناقة إلى مكان المسجد حتى بركت ثم قامت حتى بركت عند بيت أبي أيوب الأنصاري فحظي أبو أيوب الأنصاري بشرف نزول رسول الله عنده.
بناء المسجد النبوي:ــ 
وحين أراد الرسول صلوات الله عليه وعلى آله بناء مسجده الأعظم سأل عن المكان الذي بركت فيه ناقته لمن هو؟ فأُخبرَ أنه لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة وقد كان رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله قال حين بركت راحلته في موضع المسجد ( هذا إن شاء الله المنزل ) ثم عاد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأحب أن يشتريه منهما فاشتراه ليتخذه مسجداً.
واتجه رسول الله صلوات الله عليه وآله هو وأصحابه من المهاجرين والأنصار كخلية نحل لبناء هذا المسجد العظيم مسجد الرسول الأعظم والنبي الخاتم الذي أرسله الله رحمةً للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ليكون منارةً وهدىً للعالمين وكان رسول الله صلوات الله عليه وآله يشارك أصحابه في بناء ذلك المسجد والكل يتحرك وفق ما وُكِلَ إليه من عمل فمنهم من يأتي باللِبِن ومنهم من يأتي بسعف النخيل وجريده ومنهم من يبني مرددين نظماً صاغه الإمام علي عليه السلام 
لا يستوي من يعمر المساجدَ
 يدأب فيها قائماً وقاعداً
 ومن يُرى عن الغبار حائداً
وأرجوزة أخرى :
           
 اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة 
 فارحم الأنصار والمهاجرة 
 وكان عمار بن ياسر وهو من هو؟ في أصحاب رسول الله صلوات الله عليه وآله في الفضل والمنزلة يحمل على عاتقه لبنتين في حين أن أفراد الصحابة يحملون من لبنة لبنة فسقط جداراً على عمار فقال من شاهد الموقف مات عمار فقال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ( ما مات عمار. عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) وما إن استكمل بناء هذا المسجد إلا وأصبح المحطة الرئيسية لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ينادي بلال بالأذان كل وقت بأذان أوحاه الله إلى نبيه وليس كما يذكره بعض المؤرخين بأنه رأه صحابي في المنام بل هو من ما أوحاه الله إلى نبيه ونزل به جبريل عليه السلام معلماً به رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله الفاظه التي كان رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله يؤذن بها طول حياته وهي: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح حي على خير العمل حي على خير العمل الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
تلقى رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله الآذان من جبريل عليه السلام كما تلقى فروض الصلاة وأوقاتها وكما تلقى سائر ما أوحى الله إليه صلوات الله عليه وعلى آله.
 وبدأ المسجد المبارك يشع بهدى محمد صلوات الله عليه وعلى آله ونور القرآن الكريم، يغدو إليه جبرائيل عليه السلام ويروح بآيات القرآن الكريم الذي جعله الله نوراً وبصائر ( لا يأتيه الباطل من بيديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) فيتردد عليه الوحي والتوجيهات من رب العالمين ليخرج رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم الناس من الظلمات إلى النور وليهديهم إلى صراط العزيز الحميد يتلو عليهم كما قال ربه { هُوَ اْلَّذِي بَعَثَ فِي اْلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اْلْكِتَابَ وَاْلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } ( الجمعة ــ2 ) ويحرص على هداهم كما قال الله سبحانه وتعالى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِاْلْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ( التوبة ــ128 ) ولحرصه عليهم كان من أوائل أعماله بعد بناء المسجد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لما لها من أهمية في بناء المجتمع الإسلامي وإقامة دولة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله ولقد أثنى الله على تلك النخبة من المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسوله من المهاجرين والأنصار في كتابه بقوله عن المهاجرين { لِلْفُقَرَآءِ اْلْمُهَاجِرِينَ اْلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونُ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اْللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ اْلصَّادِقُونَ } ( الحشر ــ8 ) وأثنى على الأنصار بقوله { وَاْلَّذِينَ تَبَوَّءُو اْلدَّارَ وَاْلْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اْلْمُفْلِحُونَ } ( الحشر ــ9 ) وحين أخا رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بين المهاجرين والأنصار سأله الإمام علي عليه السلام عن موضوع المؤاخاه وأين مكانه منها فأجابه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم [ أما ترضى أن تكون أخي في الدنيا والآخرة ] وبهذا حظي الإمام علي عليه السلام بما لم يحظَ به أحد سواه.
ومن حرص رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله على هذه الأخوة بين المهاجرين والأنصار تحت قيادته الحكيمة باعتبارهم النواه لقيام دولته، ولعلمه صلوات الله عليه وعلى آله بوجود أعداء داخل المدينة كما أخبر الله عنهم منافقون مردوا على النفاق ويهود يتربصون برسول الله وأصحابه قد يكونون يداً للعدو الخارجي، وأعداء من خارج المدينة المتمثل في الإمبراطورية الرومانية أو الإمبراطورية الفارسية أو مشركي قريش أو مشركي العرب.
 إذاً لا بد من صياغة وثيقة تكون ملزمة لجميع سكان المدينة لحمايتها فصاغ الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وثيقة تلزم الجميع بحماية المدينة وتشكل أمناً واستقراراً لساكني المدينة بقيادة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله.
 هذا هو الموضوع الأساسي والرئيسي لهذه الوثيقة لا ما يعنونونه بعض كتاب التاريخ فأحببنا أن ننقل نص كلام سيدنا وقائدنا المؤسس حسين بدر الدين الحوثي عليه السلام في ملزمة يوم القدس العالمي لنأخذ نحن وأنتم من عين صافية قال عليه السلام ( ....يتحدثون عن صلح وقع منه مع اليهود!. وعندما ترجع أنت لتقرأ الوثيقة التي صاغها الرسول صلوات الله عليه وعلى آله بعد أن وصل المدينة المنورة بسرعةٍ صاغها، وذكر فيها كل بطون سكان المدينة, كل بيوتات القبائل الساكنة في المدينة وحولها، وثيقة ليست بصدد الصلح مع اليهود , ولا حول الصلح مع اليهود. اليهود كانوا حول المدينة حلفاء لبيوت أو أشخاص من الأوس والخزرج داخل المدينة, حلفاء لهم مرتبطين بمعاهدات معهم كأتباع لهم. الرسول صلوات الله عليه وعلى آله عندما اتجه من مكة إلى المدينة مهاجراً، اتجه ليبني قاعدةً ينطلق منها للجهاد, وإعلان دولته, وإعلان دعوته؛ لينطلق منها للجهاد ضد كل المعارضين لدعوته التي بعث بها, فعمل على أن يجعل المدينة قاعدةً مستقرة. اقرءوا هذه الوثيقة لن تجدوا فيها مصالحة مع اليهود، إنما باعتبارهم حلفاء لمن داخل المدينة من أوس أو خزرج أو أشخاص من كبارهم يسري على اليهود ما يسري على حلفائهم. وهذا شيء طبيعي في المواثيق وفي المعاهدات العربية أنه يسري على الأولياء ــ الذين يسمونهم وَلِي آل فلان أو حليف آل فلان ــ يسري عليهم ما يسري على من هو في حلفه, أو في ولائه, أو في معاهدةٍ معه. فيأتي كتاب السيرة ويعنونونه بـ [ الصلح مع اليهود ] ثم عندما اتجه [ السادات ] إلى القدس ليستسلم أمام إسرائيل ينطلق علماء مصر ليقولوا بأن الرسول صلوات الله عليه وعلى آله قد صالح اليهود أول ما وصل المدينة صالح اليهود, فنحن إنما نصالحهم كما صالحهم رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله مع الفارق الكبير من كل الوجوه فيما بين ما وقع عندما وصل الرسول صلوات الله عليه وعلى آله إلى المدينة وبين ما وقع من السادات عندما اتجه إلى القدس. لم يثقوا بالقرآن الكريم فيما يهدي إليه بصورة عامة؛ ) [ ملزمة يوم القدس العالمي ص 12 و 13 ]. 
ولأهمية المؤاخاة أخا رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بين المهاجرين والأنصار وذكر ابن هشام قال ابن إسحاق وآخى رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: [ تآخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال هذا أخي فكان رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أخوين ]. 
وبتلك الوثيقة التي صاغها رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله استقرت وضعية المدينة وتهيأت الأجواء لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله لينطلق من ذلك الصرح الشامخ ( مسجده العظيم ) كل ما يحتاج إليه المسلمون من التربية الإيمانية بحضور الصلوات بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وحضور الجمعة التي افترضها الله عليه وعلى المسلمين لتصبح عيدا للأسبوع وهوية لهذه الأمة ليسمع الجميع منطق القرآن وهدى سيد ولد عدنان الذي اصطفاه الله وأكمله على العالمين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويتعلموا أمور دينهم ودنياهم في عمل دؤوب من استقبال الوفود وتحري المعلومات عن العدو وحثُّ المسلمين على العمل ليل نهار كلٌ في مجال عمله وإعداد القوة في جميع المجالات لبناء خير أمة أخرجت للناس. 
غزوة بدر: ــ

وفي السنة الثانية للهجرة في شهر رمضان الكريم وقعت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من شهر رمضان المبارك وقد سماها الله بيوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
وإذا أردنا أن نكون على يقين فلنعد إلى كتاب الله الذي أمرنا الله بالعودة إليه أيا خطأٍ تاريخي أو غيره أو أيا عبارة غير لائقة بمقام رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أقلام كاتبي التاريخ من هنا أو من هناك بقصد أو بغير قصد.
فعندما نعود إلى القرآن الكريم في سورة الأنفال نجد الله سبحانه وتعالى يخبرنا في كتابه أنه هو من وجه نبيه وأخرجه من بيته بالحق، وهذا أول ما يجب أن نفهمه عن غزوة بدر قبل الحديث عن أي شيء آخر سواءً الحديث عن العير أو النفير.
فعندما نعود إلى كتاب الله نقرأ قول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِاْلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيْقاً مِّنَ اْلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي اْلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى اْلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } ( الأنفال ــ5ــ6 )
فهذه الآية تخبر عن بدايات بدر وليس كما يقول بعض المفسرين إنها تحكي عن معركة أحد.
فآيات سورة الأنفال تتحدث عن غزوة بدر كما أن آيات سورة آل عمران تتحدث عن غزوة أحد وكما أن الآيات في سورة الأحزاب تتحدث عن غزوة الأحزاب.
إذاً يجب على كل مسلم يتحدث عن غزوة بدر أن يبدأ بهذه الآية { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِاْلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيْقاً مِّنَ اْلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } ( الأنفال ــ5 ) وبهذه الآية نتأكد أن خروج النبي صلوات الله عليه وآله من الله، ومتى كان الأمر من الله فإن رسول الله صلوات الله عليه وآله أزكى وأوفى من ينفذ توجيهات الله.
فإذا رأينا رسول الله صلوات الله عليه وآله خرج مسرعاً بمن كان جاهزاً من أصحابه ولم ينتظر لمن لم يكن جاهزاً للخروج معه [ مع أنه يوجد داخل هذا العدد والذي يقال أنه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً معهم سبعين بعيراً وفرسان ] فريقٌ يجادل الرسول صلوات الله عليه وعلى آله في الخروج أي كارهين للخروج كما قال الله سبحانه وتعالى { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِاْلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيْقاً مِّنَ اْلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي اْلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى اْلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } ( الأنفال ــ5ــ6 ).
فحركة النبي صلوات الله عليه وعلى آله بالخروج بمن تجهز وعدم إصغائه لذلك الفريق يعطي لنا الدلاة القاطعة بخروجه من بيته بأمر الله كما حكتها الآية الكريمة.
إذاً فكل من يحاول أن يقول أن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله خرج لأي سبب من الأسباب ولم يربطه بأمر الله فهو ينصدم مع هذه الآية.
وبعد أن نعرف أن النبي صلوات الله عليه وعلى آله خرج بأمر الله فالآيات التي تتحدث عن المعركة تعطينا الرؤية الصحيحة عن معركة بدر وما دار فيها ونتائجها والتأييدات الإلهية التي حصلت من الله لرسوله صلوات الله عليه وآله.
فبعد خروجه هو ومن معه بالحق يقول الله سبحانه وتعالى { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } وفعلاً تحرك المسلمون إلى أن وصلوا إلى بدر قال الله تعالى { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} خرجت قريش بكبريائها كما حكى الله بطراً ورياءً للناس تضرب الدفوف وتشرب الخمور وتنحر الجزور فلم يبقى أحد من كبار قريش إلا خرج هو أو من ينوب عنه وكان لهم غرضاً معلن وهو أن تسمع العرب بقتالها لمحمد وأرسلت إلى من بينها وبينه دم وأعانهم الشيطان { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لاترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } وكما يقال أن عدد المشركين ما يقارب الألف ومعهم مائتا فرس فالقوم خرجوا لقتال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله لا كما يذكر له بعض الكتاب لحماية قافلة قريش لأنهم أيضاً يذكرون أن أبا سفيان أرسل عليهم يخبرهم بنجاة القافلة فلو كانوا خرجوا لحماية القافلة لعادوا بعد سماعهم لكلام أبو سفيان لكنهم لم يصغوا لأن هدفهم القتال وأيضاً أرسلوا أمر بن وهب الجمحي لاستطلاع معسكر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله فجال بفرسه وعاد مخبراً قريش وناصحاً لها فقال: ( ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أ للقوم كمينٌ أو مدد فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم يرَ شيئاً، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئاً، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعه ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجلٌ منهم حتى يقتل رجلٌ منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم ) فأبى أبا جهل إلا خوض المعركة وأما رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله فخرج كما أسلفنا لتنفيذ توجيهات الله وكما نصت عليه الآية { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون } فلما اقترب من معسكر قريش استطلع رأي أصحابه فقال المقداد بن الأسود رضي الله عنه وقال يا رسول الله ( لن نقول كما قالت بنوا إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون بل نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ) فقال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أشيروا علي أيها الناس ففطن سعد بن معاذ لما يريده رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وهو من هو في إيمانه وولاءه وصدقه وإخلاصه فقال: كأنك تعنينا يا رسول الله ( أي تعني الأنصار ) ثم قال: ( لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله ) فنزل رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله حيث ذكر الله بالعدوة الدنيا وقد احتاط لنفسه ولأصحابه سابقاً الأعداء إلى أبار الماء وموزعاً أصحابه مستعداً للقتال وأعطى اللواء لمصعب بن عمير وقسم الجيش إلى كتيبتين كتيبة المهاجرين وأعطى رايتها للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وكتيبة الأنصار لسعد بن معاذ والميسرة للمقداد بن عمرو والميمنة للزبير بن العوام والساقة قيس بن أبي صعصعة وظلت القيادة العامة بيده.
فالآية الكريمة تحدد لنا أين موقع كلاً من المعسكرين كلٌ من معسكر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ومعسكر المشركين وموقع الركب قال تعالى: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } وبات رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله كما حكى الله عنه وعن أصحابه يدعو الله ويستغيثه لإظهار دينه وإعلاء كلمته وأن يمكنه من أعدائه فأراه الله مصارع القوم وبين لنا القرآن توجه رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وانشداده إلى الله بقوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم إذ يغشيكم النعاس أمنةً منه وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } هذه الآيات تتحدث عن عطاء الله لنبيه واستجابته له ومدده لعباده المؤمنين بالاستجابة الدعاء وإنزال الملائكة وتطمين القلوب وتغشيتهم بالنعاس أمنةٌ منه وإنزال المطر ليثبت لهم الأرض ويرتووا ويغتسلوا ويصلوا ويذهب عنهم رجس الشيطان ووساوسه وما إلى ذلك من فوائد المطر التي قد تغيب عنا ويتدخل في ربط القلوب باستشعار معية الله لهم وقربه منهم وإيحائه للملائكة لأن تقوم بدورها المنوط بها في تثبيت المؤمنين في أثناء المعركة بل وخوضهم للمعركة والقتال مع رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله كما قال الله: { وإذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} وأيضاً التدخل المباشر من الله بقذف الرعب في قلوب الكافرين وهذا السلاح الذي لا يستطيع على صناعته أحد ولا يملكه إلا الله وإذا نزل بقلوب الكافرين في أي زمن كان ومهما كان حجم قوتهم فإن نهايتهم محتومه وهزيمتهم لا ريب فيها والله وحده هو من يخص به من يشاء من عباده بالنصر والتأييد ويجعل الرعب يمشي بين يديه مسيرة شهر وهو ما توجه الله به وهو من منحه الله هذا السلاح لسيد البشر محمد صلوات الله عليه وعلى آله القائل عن نفسه: ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) فإلى ساحات بدر لنرى ما قدمه هذا القائد العظيم والنبي الكريم من أدوار تشهد له بالسيادة والريادة والشجاعة المنقطعة النظير بدايةً من امتثاله لتوجيه ربه وخروجه من بيته مسرعاً للقيام بالحق الذي أُمِرَ به رغم تثاقل بعض من خرج معه وكراهيتهم للخروج ومجادلتهم له في الحق وهم يعلمون فلم يفت من عضده ولم يوهن من عزمه وأيضاً اكتفى بمن كان جاهزاً من أصحابه للخروج ولم ينتظر حتى يكتمل التجهيز ممن لم يتجهزوا.
واستطلاع أراء أصحابه قبل خوض المعركة واختيار النماذج التي كلامها له أثر في وقت الشدة كما عبر بذلك سعد بن معاذ.
وسبقه إلى مكان تواجد الماء بنفسه وليس برأي أحد من أصحابه كما يقال عن الحباب بن المنذر رضي الله عنه لأن مثل هذا لا يغيب من ذاكرة الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وهو من أعده الله وأكمله.
وترتيب جيشه في مواجهة العدو واختيار القادة الميدانيين بدقة عالية كالإمام علي بن أبي طالب وعمه حمزة وسعد بن معاذ والمقداد بن الأسود ومصع بن عمير والزبير بن العوام وتذكير أصحابه قبل خوض المعركة بقوله صلوات الله عليه وعلى آله: ( والذي نفس محمداً بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ) مما جعل بعض أصحابه يرمي بتميرات من يده ويقول: لا يحول بيني وبين الجنة إلا هذه التميرات! فيندفع إلى المعركة بكل ثبات.
وعندما نزلت قادة قريش إلى الميدان وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وبرز لهم من الأنصار معاذ ومعوذ ابني عفراء وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. فقال عتبة: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قريش فأحسن رسول الله الإختيار وأخرج عمه حمزة وأخرج أخاه علي بن أبي طالب وأخرج ابن عمه عبيدة بن الحارث رضي الله عنهم. فقتل حمزةُ عتبةً وقتل الإمام علي الوليد بن عتبة واختلفت ضربتان بين شيبة بن ربيعة وعبيدة بن الحارث فقتل كلٌ منهم الآخر. فحقق رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بقتل ثلاثة قادة من قريش هزيمة في قلوب الأعداء وأيضاً اختيار رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله للمحل نفسه فجعل الشمس تشرق في وجوه الأعداء ومن الناحية التي تسفو الرياح على وجوه الكافرين وأيضاً ما حقق الله على يديه عندما أخذ التراب ورمى به في وجوه سادة قريش وقال: ( شاهت الوجوه ) فأيد الله رميته وأوصلها إلى أعين المشركين وقصها الله في كتابه عن أهمية ذلك من رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله في حسم المعركة { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } مما هيأت تلك الرمية أن يشتغل الكثير من الكفار بمسح أعينهم ليتمكنوا من الرؤية ولكن كان سيف الإمام علي بالمرصاد فقتل من فرسان قريش قبل رمية الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وبعدها خمسة وثلاثين فارساً وأسر من قريش خمسةً وثلاثين أسيراً لوحده. واشترك بقية فرسان المسلمين في قتل خمسةٍ وثلاثين من قريش وأسر خمسةٍ وثلاثين من قريش. واستطاع رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أن يجعل أولئك القلة المستضعفة الذين تعرض أكثرهم للعذاب في مكة أمثال بلال بن رباح لينقض على ذلك الجبار أمية بن خلف فيقول عدو الله أمية بن خلف: ( لا نجوت إن نجا ) ويجعل رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله ذلك العبد الصالح عبد الله بن مسعود يجثم على صدر أبي جهل ليحتز رأسه فيقول له أبو جهل: ( لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم ) وهكذا الإيمان وتربية الرسول صلوات الله عليه وعلى آله يجعل من أولئك المستضعفين الواعين المستجيبين لله وللرسول صلوات الله عليه وعلى آله فرساناً في الميدان تتبخر معهم كل عنجهية الكفار والمتكبرين.
والعودة إلى الآيات في سورة الأنفال للتدبر تكمل وتوضح ما قصرت أفهامنا عنه.


لتحميل المقالة كاملة بصيغة pdf
مماسمعناه من الوالد /
عبدالله عيضة الرزامي
حفظه الله
    

ليست هناك تعليقات:

مشاركات مميزة

مقالة عبدالله عيضة الرزامي عن فاطمة الزهراء عليها السلام

سمعنا الوالد عبد الله عيظه الرزامي (حفظه الله)يقول: ونحن في هذه الأيام المباركة نعيش ذكرى ميلاد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها...

مواضيع قد تهمك