مقالة الأخ عبدالله عيضة الرزامي عن الإمام علي عليه السلام

تعرف على الإمام علي (السابق إلى الله ورسوله وليد الكعبة):

ما سمعناه من الوالد عبدالله عيضة الرزامي (حفظه الله)
ونحن في شهر الله رجب الذي هو أحد الأشهر الحرم تمر علينا في أوله ذكرى مولد أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الثالث عشر من يوم الجمعة من شهر رجب بعد عام الفيل بما يقارب ثلاثين عاما وبحلول هذه المناسبة الغالية على قلوبنا نتحدث بما أمكن عن شخصية سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أخي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصيه وباب مدينة علمه وحامل رايته وزوج ابنته الصدّيقة الزهراء سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله محمد عليهما السلام وأبو عترته وأسبق الخلق الي الله ورسوله, من حبه إيمان وبغضه نفاق من وصفه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله (علي مع الحق والحق مع علي ,علي مع القرآن والقرآن مع علي ,أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )من قرنه الله بنفس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله تعالى (وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ)وكان الشاهد الذي يتلو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إيمانه وشجاعته وجوده وكرمه وقوله وفعله الفادي لنبيه في المواطن كلها والذّاب عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسيفه وسنانه وماله ولسانه حتى لم يشهد التاريخ أحداً أبر وأوفى وأصدق وأطوع من أمير المؤمنين علي عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الكون برمته من لدن آدم عليه السلام إلى زماننا هذا إلا ما كان من طاعة نبي الله إسماعيل عليه السلام لأبيه نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام فهما صلوات الله عليهما من شجرة واحدة شجرة النبوة ومعدن الرسالة وبيت الحكمة فلا غرابة أن يكون حفيد الخليل إبراهيم وأخا رسول رب العالمين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي اختصه الله دون الأنام وشرفه بأن يكون بيته الكعبة المشرفة الذي بناه نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام مثابةً للناس وأمنا مكاناً لولادته عليه السلام كما يروي لنا التاريخ ,روي أن فاطمة بنت أسد كانت تطوف بالكعبة المشرفة في آخر يوم من حملها بالإمام علي عليه السلام وبينما هي تطوف بالكعبة وتدعو الله إذ أحست بمخاض الولادة دخلت الى داخل الكعبة المشرفة كما حكت هي عن نفسها بقولها ( قالت فاطمة بنت أسد فجلست على الرخامة الحمراء ساعة وإذا أنا قد وضعت ولدي علي بن ابي طالب ولم أجد وجعاً ولا ألمَاً )كلامها سلام الله عليها لم أجد وجعاً ولا الماً يعطي الصورة الحقيقية أنها دخلت من باب الكعبة وأنها جاءت الى ذلك المكان الطاهر وهي لا تحس بألم الولادة ولكنها رعاية الله وعنايته وإرادته لتمضي مشيئته بأن يولد هذا المولود الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام داخل بيت الله الحرام الكعبة المشرفة وفي هذه إشارة إلى عظمة هذا المولود ومكانته وأن هذا المولود هو الباب الذي يؤتى منه الى الله ورسوله ودخول فاطمة بنت أسدمن باب الكعبة لتضع وليدها أبلغ في الحجة و أوضح في البيان ممن يقول بغير هذا الِقول والله تبارك وتعالى يقول (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)وينسجم مع ما وصف به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام بقوله (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب) خرجت السيدة الطاهرة فاطمة بنت أسد من داخل بيت الله الكعبة المشرفة تحمل ولدها علي بن أبي طالب عليه السلام وكأنه فلقة قمر وكان من أول مستقبليها أبو طالب وابن أخيه رسول الله محمد بن عبدالله أسعد الخلق بهذا المولود الطاهر استقبل أبو طالب مولوده المبارك ليضمه إلى صدره ويرده إلى أمه وليقبل رسول الله أخاه علياً فرحاً مستبشراً وعادت السيدة فاطمة بنت أسد إلى بيتها تحمل ولدها علي بن أبي طالب عليه السلام وذبح أبوطالب الذبائح ونادى هلموا إلى وليمة ابني علي وقال أيضاً ألا من أراد من طعام على ولدي فهلموا وطوفوا بالبيت سبعاً سبعاً وادخلوا وسلموا على ولدي علي فإن الله شرفه وتناقل الناس في مكة هذا الشرف الذي حظيت به السيدة فاطمة بنت أسد عليها السلام ووليدها علي بن أبي طالب عليه السلام وتناقلته الرواه فيما بعد شعراً ونثراً فقال السيد الحميري في نظمه مظهراً لهذا الشرف العظيم الذي لم يحظ به أحداً بقوله

وقال الشاعر محمد بن مصور السرخسي
ولدته منجبة وكان ولادها في جوف كعبة أفضل الا كنان
اهتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين منذ الوهلة الأولى بتربية أخيه ووصيه وباب مدينة علمه علي بن أبي طالب عليه السلام إذ هو المعني بتربية الإمام علي عليه السلام بشكل خاص وتربية الأمة بشكل عام صغيرها وكبيرها ذكرها وأنثاها إذ هو من قال الله فيه (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)فالرسول صلوت الله عليه وعلى آله الذي تولى الله سبحانه وتعالى تربيته الذى عبر عنها الرسول بقوله (أدبني ربي فأحسن تأديبي) والذي عبر عنه أخوه الإمام علي عليه السلام بقوله وهو يتحدث عن رسول الله {ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم بالتأكيد كان رسول الله صلوات الله وعلى آله يهتم بتربية الإمام علي منذ يومه الأول على تلك المكارم ومحاسن أخلاق العالم التي كان يتلقاها رسول الله من أعظم ملك من ملائكة الله ليله ونهاره ولقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول لفاطمة بنت أسد التي كان يعبر عنها أنها أمه إجعلي مهده بقرب فراشي ولنصغِ أيضاً للإمام علي وهو يصف موضعه من رسول الله وتربية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم له وثمرة تلك التربية المباركة بقوله ولقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره ويكنفني إلى فراشه ويلمسني جسده ويشمني عرفه وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل ولقد قرن الله به صلى الله عليه وعلى آله وسلم من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره وكنت اتبعه أتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به .


ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذِ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجه وأنا ثالثهم أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وعلى آله فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال إنه الشيطان أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي .
  ولكنك وزيري وإنك لعلى خير ما ذكره الإمام علي عليه السلام في هذه الكلمات البليغة تصف لنا بأرقى بيان تربية رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله له وما أن بلغ الإمام علي عليه السلام السن الذي يمكنه فيه أن يتعلم على يدي رسول الله فنون الحرب والقتال وهو ما يقارب سن السابعة إلا وعلمه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ما يحتاج إليه مثل الإمام علي في مسؤوليته للدفاع عن الإسلام ونبي الإسلام حتى كان الإمام علي أعظم شخصية في هذا الكون بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله كما قال الله عنهما { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } .
وقال الإمام علي عليه السلام يذكر تعلمه الفروسية في سن مبكر

وقد روي في المناقب عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمه أبي طالب إني أحب أن تدفع إلي بعض ولدك ليعينني على أمري ويكفيني و أشكر لك بلاءك عندي فقال أبو طالب خذ أيهما شئت فأخذ علياً عليه السلام فاستقى عروقه من منبع النبوة ورضع شجرته من ثدي الرسالة وتهدلت أغصانه عن نبعت الإمامة ونشأ في دار الوحي وربي في بيت التنزيل ولم يفارق النبي صلى الله عليه و آله في حال حياته إلى حال وفاته لا يقاس بسائر الناس إذ كان عليه السلام في أكرم أرومة وأطيب مغرس والعرق الصالح ينمو والشهاب الثاقب يسري وحين نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله كان الإمام علي عليه السلام أسبق الخلق إلى الله ورسوله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لفاطمة بضعته وثمرة فؤاده زوجتك أولهم إسلاماً وأكثرهم علماً مخبراً بذلك أن علياً أول المستجيبين له
وفضيلة السبق فضيلة لا يشبهما أي فضيلة وقد قال الله (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)

وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بقوله (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال الإمام علي عليه السلام دعاني رسول الله وأمرني أن أصنع لهم طعاماً وقد جاء ذلك في حديث الدار مفصلاً فليراجع ذلك الحديث بصيغته في أمهات الكتب التي ترويه نذكر من ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله أراد أن يتكلم وتكلم قبله أبو لهب بكلام يصرف القوم عن ما يريده رسول الله ومن الغد أمر رسول الله علياً أن يصنع للقوم طعاماً مرة أخرى ويدعوهم للاجتماع وحين حضروا ابتدرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
فقال يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي من بعدي قال فأمسك القوم وأحجموا .

فقمت فقلت أنا يا نبي الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به قال فأخذ بيدي ثم قال إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فاسمعوا له وأطيعوا.
وهذا يدلنا على تعظيم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله للإمام علي واعتماده عليه ليكون رجل المهمات الصعبة

استمر رسول الله صلى الله عليه وآله في دعوته لعشيرته الأقربين ولسائر قريش والعرب وللعالمين لأنه كما قال الله عنه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) فازدادت قريش عتواً وعناداً وتكذيباً كما يروي لنا الإمام علي عليه السلام ذلك في نهج البلاغة بقوله (ولقد كنت معه (صلى الله عليه وآله) لمَّا أتاه الملأ من قريش, فقالوا له يا محمد إنّكُ قد ادّعيت عظيماً لم يدّعه آباؤُكَ ولا أحدٌ من بيتك ونحنُ نسألُكَ أمراً إن أجبتنا إليه وأريتناهُ , علمنا أنك نبيٌّ ورسولٌ, وإن لم تفعل علمنا أنّكَ ساحرٌ كذابٌ . فقال لهم (صلى الله عليه وآله)((وما تسألون؟))
قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك.
فقال (صلى الله عليه وآله) : (إن الله على كل شيء قدير فإن فعل الله ذلك لكم أتؤمنون و تشهدون بالحق ) قالوا: نعم .
قال : (فإني سأريكم ما تطلبون ، وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير ، وإن فيكم من يطرح في القليل ومن يحزب الأحزاب ) ثم قال : (يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله ) فوالذي بعثه بالحق نبيا لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله مرفرفة وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله صلى الله عليه وآله وببعض أغصانها على منكبي وكنت عن يمينه (عليه السلام) . فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا –علواً واستكباراً- : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها . فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دوياً فكادت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله . فقالوا – كفراً وعتواً - : فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان . فأمره (عليه السلام ) فرجع . فقلت أنا : لا إله إلا الله ، إني أول مؤمن بك يا رسول الله ، وأول من آمن بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقاً لنبوتك ، وإجلالاً لكلمتك . فقال القوم كلهم : بل ساحر كذاب ، عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا ! يعنونني .


واستعمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل أساليب الدعوة بإيصال هداية الله إلى قلوبهم واستمروا تكذيباً وعتواً واستكباراً ويروى أيضاً أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صعد الصفاء وقال لهم يا معشر قريش لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي أكنتم مصدقي قالوا بلى ما علمنا عليك كذباً
قال أفحين شاب عارضي أكذب على الله ولقد كانت قريش على علم بنبوته وصدقه وأمانته إذ كانوا يدعونه الصادق الأمين كما قال الله (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) فهاهي قريش قبل أن يبلغهم رسول الله برسالة الله عندما اختلفوا على وضع الحجر الأسود وكادت الحرب أن تشب بينهم وتعاهدوا على جفان الدم وقالوا رضينا بأول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا رضينا بالصادق الأمين وهم أيضاً يصدقونه في ما يقول ويكذبونه في الرسالة وهذا دليل حقدهم عليه وكلما استمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعوته لهم استمروا في قسوتهم وعتوهم وعنادهم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى من آمن به وعلى أسرته حتى كتبوا وثيقة المقاطعة والحصار على بني هاشم وعلقوها داخل الكعبة وكان كل ذلك على مرأى ومسمع من الإمام علي عليه السلام وليد الكعبة ولم تستح قريش لا من الله ولا من رسوله ولم تستحِ من عبدالمطلب الذي وقف بفناء الكعبة يدعو الله فاستجاب الله دعوته وضرب أبرهة بإرسال طير أبابيل في الوقت الذي كان آباء هؤلاء المتأمرين على أولاده لم يكن لهم وجود في مواجهة أبرهة ولم يقدروا موقف الرسول نفسه الذي أنقذهم من حرب كادت تشب على وضع الحجر الأسود ليضعوا تلك الوثيقة داخل الكعبة ولا استحوا من علي الذي هم على علم بأن الله شرفه بأن يكون وليد الكعبة ولا من الكعبة بيت الله الحرام نفسه الذي هم يعلمون أنه حرم الله وأمنه وأنه يحرم عليهم عضد شجره وإفزاع صيده وطيره وقتل الصيد فيه وأنه يلزمهم تأمين كل من وفد إليه ولكن مع رسول الله وأهل بيته تجاوزوا كل هذه الحرمات مع علمهم بحرمتها وعلمهم أن كل خير تناله قريش ببركة ذلك البيت وسبحان الله القائل (لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ) والقائل (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ )

ولم تكتف قريش بمحاصرة بني هاشم في شعب أبي طالب واستخدمت كل وسيلة من الترغيب والترهيب والإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن آمن به والصد عنه ومحاولة تصفيته جسدياً وبزيادة بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة عليهما السلام والذي عزاه فيهما جبريل عليه السلام ووجهه بالهجرة بقوله ((أخرج فقد مات ناصراك)) وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أسلفنا قد وجه بمجموعة من المؤمنين بقيادة أخيه جعفر بن أبي طالب عليه السلام أشبه الناس به خلقاً وخٌلُقاً بالهجرة إلى الحبشة كما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أرسل الصحابي الجليل مصعب ابن عمير رضي الله عنه وأرضاه مع طلائع المؤمنين من أهل المدينة من الأوس والخزرج ممن آمنوا بالله ورسوله وصدقوه وبايعوه بيعة العقبة ليعلمهم أمور دينهم وليدعو لرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يثرب بين أنصاره ومحبيه وكان لدعوة مبعوث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مصعب بن عمير أثرها الكبير في نفوس أهل المدينة حتى لم يبقَ بيت إلا ودخله نور الإسلام وامتلأت قلوب أهله بحب محمد وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرسل أصحابه واحداً تلو الآخر ويأمرهم بالهجرة إلى المدينة وكانت قريش قد اجتمعت في دار الندوة لاتخاذ القرار الذي تزعم أنه من المناسب في مواجهة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمن قائلٍ يقول ننفيه ومن قائلٍ يقول نسجنه وقائلٍ يقول نقتله وأجمع أمرهم على أن يختاروا أربعين شاباً من أشداء قريش وأن يضربوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل فيقحموا بني هاشم ليحاربوا جميع بطون قريش أو يجبروا أن يقبلوا الدية وقد قال الله يخبر عن مكرهم ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ))

واجتمع أربعون رجلاً من أربعين قبيلة لتنفيذ ما أوكل إليهم من مهمة قتل الرسول صلى الله عليه وعلى آله ونزل جبريل على النبي وأخبره بمكيدة القوم وأمره بالهجرة من مكة إلى المدينة فأرسل النبي إلى علي عليه السلام وقال له ياعليإن الروح هبط عليّ ليخبرني أن قريش اجتمعت على المكر بي وقتلي وأنه أوحي إلي عن ربي أن أهجر دار قومي وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي وأنه أمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي لتخفي بالمبيت عليه أثري فما أنت قائل وصانع ؟
فقال عليٌ عليه السلام أوتسلمن بمبيتي هناك يارسول الله ؟ قال رسول الله نعم
فتبسم علي ضاحكاً وخرّ ساجداً شكراً لله عندما سمع أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله سينجو بهذا العمل وقال يارسول الله أمضي بما أمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي ومرني بما شئت قال له الرسول فنم على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي وودع رسول الله أخاه علياً ومضى إلى الغار ونام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وعلى آلهولبس برده وجاءت قريش يريدون أن يقتلوا النبي فجعلوا يرمون علي وهم يرون أنه النبي وكان علياً عليه السلام يتضور (يلتوي ) من الألم ولا يتكلم لألايعرفوه واستمرت قريش تحاصر دار النبي صلى الله عليه وعلى آله طوال تلك الليلة إلى قبيل الفجر فتواثبوا إلى الدار شاهرين سيوفهم وقصدوا إلى مضجع النبي ومعهم خالد بن الوليد وعندما أقتحموا على الإمام علي علىه السلام داخل الدار وثب الإمام علي من على فراشه وثبة الأسد وقال ما شئنكم ؟ فعرفوا أنه علياً بن أبي طالب وتيقنوا أن الرسول صلى الله عليه وآله قد خرج من الدار فخرج القوم مسرعين يقفوا أثار الرسول يتميزون غيضاً وحقداً ولكن خيب الله آمالهم ولم يعثروا على شيء ذلك الفضل يعود بعد الله ورسوله إلى ماقام به سيدنا ومولانا الإمام علي عليه السلام من تنفيذ لتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بأرقى طريقة وأفضل أسلوب وأكبر صبر وتضحية إذ بات على فراشه متغطياً ببرده صابراً طوال الليل وهم يرجمونه بالحجار لم يستفزوه فيعرف عن نفسه ولم يخيفوه فيكشف عن وجهه حتى نجحت تلك الخطة التي أعدها الله بنجاة رسوله وقام بتنفيذها على أرقى ما يكون الإمام علي عليه السلام فتلك الليلة تعد بحق ليلة الفدى للرسول وللرسالة وهو عمل لايشاركه فيه أحد ولايوازيه أي عمل مهما كان حجمه حتى روي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قال (نزل عليّ جبريل صبيحة يوم الغار فقلت حبيبي جبريل أراك فرحاً فقال يا محمد وكيف لا أكون كذلك وقد قرت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام أمتك علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت بماذا أكرمه الله؟ قال باها بعبادته البارحة ملائكته وقال ملائكتي انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيي وقد بذل نفسه وعفر خده في التراب تواضعاً لعظمتي أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي )وكان الإمام علي عليه السلام يذكر بنعمة الله التي توفق لها بقوله
وقيت بنفسي خيرمن وطئ الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمدٍ لما خاف أن يمكروا به فوقاه ربي ذالجلال من المكر
وبت أراعهم متى ينشرونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في الغار آمناً هناك وفي حفظ الإله وفي ستر
أقام ثلاثاً ثم زمت قلائص قلائص يفرين الحصى أيما تفري
وهذه المواساة التي قام بها الإمام علي عليه السلام هي الفريدة من نوعها عبر تاريخ البشرية وقد أشاد الله بموقف وليه الإمام علي عليه السلام وفدائه لرسول ورسالته بقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ )
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله

اشتركوا في قناتي تلجرام اضغط هنا

تابعني في تويتر

زوروا حسابي في تويتر


ليست هناك تعليقات:

مشاركات مميزة

مقالة عبدالله عيضة الرزامي عن فاطمة الزهراء عليها السلام

سمعنا الوالد عبد الله عيظه الرزامي (حفظه الله)يقول: ونحن في هذه الأيام المباركة نعيش ذكرى ميلاد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها...

مواضيع قد تهمك